ما هذا الذي يحدث في العالم العربي، هذه الأيام. هناك حالة من عدم الاستقرار العنيف تسود الكثير من المجتمعات العربية؛ في سوريا، العراق، لبنان، اليمن، ليبيا، السودان، هناك عنف خطير في الشارع وصل بعضه إلى جحيم الحرب الأهلية، كما حدث ويحدث في سوريا واليمن وليبيا. في المقابل: هناك حراك مجتمعي عنيف رافض للنظام، يكاد يطيح بالدولة، في العراق ولبنان. يقابل، كل ذلك شحن مجتمعي يتقد تحت الرماد، منتظرا التعبير عن غضبه وسخطه من الأوضاع التي تسود الكثير من الدول العربية. كل تلك المشاهدات التي تجتاح الدول العربية، بدرجة متفاوتة من العنف، تعكس فشلاً بنيويًا ووظيفياً لتجربة الدولة القومية الحديثة في العالم، التي عاصرت نظامي عصبة الأمم والأمم المتحدة في النصف الأول من القرن العشرين.

الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، تأخر ظهورها ثلاثمائة سنة عن ظهورها في أوروبا، عام 1648، بعد وضع الحروب الدينية أوزارها هناك.. والإقرار بسيادة العروش القائمة، على أسس علمانية، وتنصيب الدولة القومية الحديثة، في أوروبا، بوصفها المعبر الأساس لهوية الشعوب، وعن حقها في تقرير مصيرها، بالرغم من عدم تجانسها المجتمعي، دينيًا وعرقيًا وطائفيًا.. وجعل إرادة تلك الشعوب الحرة، أساسًا حصريًا للنخب والمؤسسات السياسية الحاكمة.

مشكلة الدولة القومية الحديثة، في العالم العربي، أنها خرجت من غير رحمها الشعبي، بعملية قيصرية لحملٍ حدث خارج ذلك الرحم الطبيعي! قليلة هي الدول العربية، التي قامت، بعيداً عن التدخل الخارجي المباشر من قبل المستعمر الأجنبي.. ومرت بتجربة الحراك المجتمعي العنيف، وإن احتفظت بأسس الشرعية التقليدية، بشقيها القبلي والديني. إلا أن هذه المجتمعات نراها أخذت بصدر المعادلة الحديثة للدولة القومية، ولم تتعدها إلى عَجُزِها، مما أضعف تجربة الدولة الحديثة في تلك المجتمعات، دون أن ينتهي بها الأمر إلى تحدي مشروعيتها، بصورة عنيفة، كما حدث في الدول العربية، التي كان للاستعمار دورٌ في رسمِ حدودها.. وفي أحيانٍ كثيرةٍ المساعدة في اختيار وتنصيب نخبها الحاكمة.

هذه الدول التي سبق لها المرور بتجربة الاستعمار والانتداب والوصاية الأجنبية، في العالم العربي.. وخضعت، بعد ذلك لنفوذ وسطوة المستعمر، حتى بعد إعلان استقلالها، لم تنعم باستقرار سياسي يحفز تنمية سياسية واقتصادية واجتماعية مستدامة، تضمن استمرار هذه الدول ونجاح تجربة الدولة في مجتمعاتها. بعض هذه الدول، تعرضت التجربة الديمقراطية الهشة، التي خبرتها في عهد الاستعمار، لاختبارات مصيرية، أظهرت جوانب عدم الاستقرار في مجتمعات تلك الدول، أكثر من البناء عليها وتنميتها. ربما لأن تلك التجربة الديمقراطية في زمن الاستعمار، كانت تعكس في الأساس مصالح المستعمر، وليس بالضرورة إرادة شعوب تلك الدول. وعندما حمل الاستعمار عصاه ورحل، لم تمكن تلك الأنظمة «الديمقراطية» من الصمود، وجرت عملية الإطاحة بها، بسهولة وسرعة.

الانقلابات العسكرية كانت البديل للديمقراطية، جاءت نتيجة لفراغ القوة الذي أحدثه الاستعمار عندما خرج، ولما يقوَ عود الديمقراطية، التي خلفها وراءه في المجتمعات، بعد. تجربة العسكر، في تاريخ البشرية كله، تجربة فاشلة في الحكم، لاعتمادها على المتغير الأمني.. وإقامتها لأنظمة ديكتاتورية مستبدة، تعتمد في شرعيتها على القوة «الغاشمة»، لا على إرادة الناس الحرة.

حتى عندما يختبئ العسكر خلف أنظمة مدنية، تركز على طقوس الديمقراطية وليس على جوهرها، ليبقى العسكر هم المهيمنون الحقيقيون على مقاليد الحكم. حتى عندما تأتي أحزاب «أيديولوجية» إلى الحكم، فإنها تأتي على ظهر دبابة.. أو يرتدي رموزها البزة العسكرية، ليلعبوا دور العسكر والمدنيين في الحكم، والنتيجة تقود إلى الهزيمة كما هو حال تجربة حزب البعث، في سوريا والعراق.

ليس العسكر هم فقط من أجهضوا تجربة الدولة القومية الحديثة في العالم العربي... الاستعمار أيضاً عمل على ترك قوىً مجتمعية تعتمد في مكانتها السياسية على قيم وموروثات اجتماعية ودينية، من شأنها أن تعرقل أي شكل من أشكال التحول الديمقراطي.. أو توفير الضمانات الكافية لاستمرار التجربة الديمقراطية الهشة، التي تركها خلفه. مجتمعات الدول العربية تكاد تتحكم فيها جميعاً قيم القبيلة والطائفة والعشيرة، أقوى من تلك التي ترمز لها الهوية الوطنية الواحدة في مفهوم وواقع الدولة. في النهاية: انعدام الشعور بالمواطنة، حقوقاً وواجبات، يقابله: ولاء لا يتزعزع بالقبيلة والعشيرة والطائفة.

لا عجب، إذن: أن تكون تجربة الدولة القومية الحديثة، في العالم العربي، ولدت بولادة قيصرية لجنين تَكَوّنَ خارج الرحم الطبيعي، يعاني من الهزال والضعف في وظائفه الحيوية، ليبقى، طوال فترة حياته، من ولادته إلى مماته، في «بيئة» غير طبيعية وملوثة، تتقاذفه متطلبات لا يُستجاب لها.. وحياة سياسية لا دورَ له فيها.. واحتياجات تنموية ليس هو مركزها واهتمامها والمعني بها. في الوقت الذي تتقاذف دوله صراعات إقليمية.. ومؤامرات خارجية، تتحكم فيها أنظمة داخلية غير مستقرة ولا كُفؤة ولا فاعلة، تعجز عن تلبية أدنى احتياجاته المادية والإنسانية.

تجربة الدولة القومية الحديثة في العالم العربي، القصيرة وغير المستقرة هذه، علها تعطي بعض التفسير للأحداث التي تعم العالم العربي هذه الأيام، التي تستهدف النظم السياسية القائمة في بعض المجتمعات العربية، غير مدركة لمآل مثل هذا العنف الفوضوي، قد يفضي لانهيار الدولة، نفسها.

* كاتب سعودي

talalbannan@icloud.com