حرص المُتشددون على أصباغ الحزن وقتل الفرح في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. وقد تكون دوافع بعضهم حسنة النية أو لانغلاق مجتمعاتهم التي نشأوا فيها.

يقول العلامة ابن خلدون: إن العمران سبب في تطور الموسيقى في المجتمعات، خاصة عندما تتجاوز المجتمعات حاجاتها الأساسية وتبلغ مرحلة من الرخاء والرفاهية والاستقرار.

لقد عرف العرب قبل الإسلام العديد من فنون الغناء مثل «الحداء». يقول الشاعر العربي الكميت بن زيد الأسدي:

يا حادي العيس عرج كي نودعهم

يا حادي العيس في ترحالك الأجلُ

كما عرفوا «الهزج» الذي يُستخدم فيه الطبل والمزمار، ويرافقه الرقص. وعرفوا الغناء الحربي الذي تُنشده النسوة على قرع الطبول والدفوف كما فعلت هند بنت عتبة في معركة أحد.

كما عرف العرب «التهليلات الدينية» والرقص، أثناء تقديم الأضاحي. وعرفوا «التغبير» الذي يتغنى بالماضي، وأخبار الزمن الغابر، كما جاء في كتاب «العمدة» لابن رشيق القيرواني.

والآلات الموسيقية التي عرفها العرب كثيرة، مثل «العود» ويُطلق عليه «المزهر أو الكران أو البرط أو الموتر» و«المزمار» و«الطبل»، كما ازدهر عندهم «الصنوج» و«الجلاجل» و«الطنبور».

قال الشاعر أعشى ميمون في وصف العود:

ومستجيبٍ تخال الصنجَ يسمعهُ

إذا تُرَجِّعُ فيه القينةُ الفضلُ

وقد كان دور المرأة أساسياً في انتشار الموسيقى قبل الإسلام واستمر حتى عصر النبوة و خاصة في الأفراح واحتفالات الزواج بالموسيقى والرقص.

ومن أشهر الموسيقيين في الجاهلية «عدي بن ربيعة» شاعر بني تغلب المُلقب بالمهلهل لصوته. وصناجة العرب الأعشى الشاعر المعروف الذي ينشد الشعر وبيده الصنج.

قال الجاحظ: «الموسيقى كانت بنظر الفرس أدباً وبنظر الروم فلسفة أما بنظر العرب فأصبحت علماً».

ولنا أن نتصور كيف حارب المتأخرون هذا العلم والأدب والفلسفة، بعد غياب العقل العربي وأفول شمس الحضارة العربية، والدخول في ظلام التخلف الذي أحكم قبضته على كل الأصعدة والمجالات.

هذه القوى الظلامية كانت حتى ضد الطبيعة الزاخرة بالموسيقى والغناء الذي يصدح مثل تغريد العصافير وخرير الماء وهمسات النسيم التي علمت الإنسان وفتحت آفاقه لجمال الخالق المبدع وعجيب صنعه.

للموسيقى والغناء أثر كبير وعظيم على الطفل والصغير والكبير؛ فالأم تُغني لطفلها لينام، والموسيقى والغناء يشحذان همم البحارة على العمل. والموسيقى تيسر للطالب الحفظ، وتُهذب الأذواق، لأن الموسيقى هي التجسيد الملموس للجمال المسموع، وبدونها سيغدو الإنسان كائناً مُتصحراً، خاوياً، عتلاً، خشناً، غليظاً، وجسداً دون روح.

لقد سررت لإدراج الموسيقى والمسرح والفنون في مناهج التعليم. وتسهيل إصدار التصاريح والرخص للأنشطة والمسارات الثقافية والفنية. والتصريح للمعاهد والجامعات والكليات والمدارس الأهلية بالبرامج والأنشطة، وتفعيل المسارح الجامعية والمدرسية.

كما يسرني أن أُشاهد حراكاً جميلاً ورائعاً لهيئة الترفيه، التي أولت اهتماماً كبيراً لهذا الجانب الذي يُساهم في تحسين الذوق العام وتهذيبه، فالموسيقى فلسفة وأدب وثقافة للروح وللأخلاق.

* كاتب سعودي

@osamayamani

yamani.osama@gmail.com