التربية قبل التعليم. جملة لطالما سمعتها منذ كنت في الصفوف الابتدائية ولم أقرر التسليم بها تماماً. وهي تقال لنهر الطلاب والطالبات غير المهذبين بغرض لمز الوالدين ووصمهما بالتقصير في التربية.

أولاً دعونا نتفق على ماهية التربية التي عرفها كثير من الفلاسفة والعلماء ويمكنكم مراجعة Google للاطلاع على جميع التعريفات.

لكنها في المقولة موضع النقاش تعني: تهذيب السلوك فقط.

إن تتبعا أثر التربية على صلاح الفرد وحسن سلوكه تاريخياً فسنجد أن قصص التاريخ لا تنسجم مع مقولة التربية قبل التعليم. فكم من عاصٍ أفاك تربى في بيت صلاح مثل ابن النبي نوح الذي غرق في الطوفان ومثل الغلام الذي قتله الخضر والأمثلة المشهورة كثيرة لكني سأروي مثالاً غير مشهور وهو عجيب حقاً، يقال إن في ذلك العام الذي ولد فيه النبي موسى وألقته أمه في اليم حتى فرغ فؤادها كانت أم السامري قد ولدته أيضاً لكنها خبأته في كهف خارج المدينة عن بطش فرعون وجنوده. وعليه فالنبي موسى عليه السلام والسامري صانع العجل ابنا عام واحد ومتجايلان وهما ابنان لنفس الظروف السياسية القاهرة. لكن موسى الطفل كبر وتربى في كنف أكبر مشركي الأرض في حينه وهو فرعون، أما السامري فيقال أن جبريل عليه السلام كان يتعهده بالرعاية فيترك له طعامه وشرابه في الكهف ويحرسه من الضواري والسباع وهوام الأرض حتى شب وكبر فلحق ببني إسرائيل وخرج معهم تحت إمرة موسى عليه السلام وحين ذهب النبي لتلقي الألواح عبر جبريل عليه السلام أمام السامري فأخذ من أثر التراب الذي نزل عليه وهو الذي يتذكره في طفولته وصباه حين كان يأخذ له طعامه وشرابه ولباسه. لكنه لم يكن إلا نبتاً شيطانياً مشركاً خرج من تحت جناح الملاك.

وسواء كانت هذه القصة حقيقية أم أسطورة فمغزاها واضح.

ليس هدفي من هذا السرد تشجيع الناس على إهمال تربية أطفالهم، بل هدفي التماس العذر لبعض الأهالي المبتلين بأبناء عصاة كتب الله عليهم الشقاء والعقوق وعدم تحميلهم فوق طاقتهم أو القسوة عليهم.