إلى عهد قريب مضى لم يكن مفهوم المسؤولية الاجتماعية رائجاً في أوساط المال والأعمال في دول الخليج، رغم أن قلة من الشركات والمؤسسات كانت تخصص مبالغ بسيطة من أرباحها السنوية للأعمال الخيرية التقليدية، لكن مع شيوع ثقافة المسؤولية الاجتماعية وتسابق الكثير من الشركات والمؤسسات على القيام بدورها في هذا الجانب، عمدت بعض هذه الشركات والمؤسسات إلى تلميع صورتها أمام المجتمع بهدف ربحي بحت، مستغلة شيوع المصطلح وبريقه في التسويق لمنتجاتها، فتجد أن الشركة التي تتباهى برعاية ودعم البرامج التنموية المختلفة، سواء كانت تعليمية أو صحية أو غيرهما، تعمد إلى توزيع مواد دعائية وتسويقية لمنتجاتها على المستفيدين من البرامج التي حصلت على الدعم، وبالتالي فإن المبالغ التي صرفتها تحت غطاء المسؤولية الاجتماعية ليست سوى قيمة حملة تسويقية لمنتجاتها!

بالطبع هذا أمر يتصادم بشكل سافر مع مفهوم المسؤولية الاجتماعية ويتنافى مع أخلاقياتها، لكنه ولسوء الحظ هو المنهج السائد لدينا، حتى مع ازدياد حدة المنافسة بين الشركات في هذا المجال، والفرق الواضح بين الشركات التي تلتزم بمسؤوليتها بدوافع أخلاقية، وتلك التي تهدف إلى الربح المادي بشكل أساسي من وراء استخدام بريق المصطلح.

الأكثر سوءا أن استغلال (غطاء) المسؤولية الاجتماعية لا يتوقف عند هذا الحد، إذ برز جيل جديد من المستفيدين غير الشرعيين من هذا الغطاء وحولوه إلى نافذة للفساد، وهو أمر يتطلب من أعضاء مجالس الشركات ومساهميها أن يراجعوا حساباتهم، وأن يدققوا جيداً في القنوات التي تصب فيها الميزانيات المخصصة للمسؤولية الاجتماعية والآلية التي يسير بها العمل، ويمكننا أن نضرب مثالاً بسيطاً يوضح الصورة التي لا نتمنى أن تسير عليها الأمور في قطاعنا الخاص.. حيث يمكننا افتراض أن شركة ما قررت دعم إحدى جهات القطاع الصحي أو التعليمي بأجهزة أو معدات أو غيرهما، هنا يجب أن نعرف ما هي الجهات الوسيطة التي ستوفر هذه الأجهزة، وهل ستوفرها بالقيمة الحقيقية أم بعشرة أضعاف قيمتها، وما مدى جودة هذه الأجهزة، وهذه مسألة مهمة للغاية، فأموال المساهمين قد تبدد بسبب الفساد الإداري تحت غطاء المسؤولية الاجتماعية، في الوقت الذي كان من المفترض أن يستفيد من هذه الأموال المجتمع لا الجهات التجارية الأخرى، وبعض المتنفذين في الشركات نفسها.

اختصاراً، ينبغي أن تشكل مجالس إدارات الشركات المساهمة لجاناً رقابية خاصة بمصروفات المسؤولية الاجتماعية تتبع لها بشكل مباشر، لضمان تحقيق شرطين مهمين للغاية، أولهما الحفاظ على أموال المساهمين، وثانيهما تحقيق الفائدة المرجوة من البرامج المخصصة لخدمة المجتمع عن طريق وضع إستراتيجية واضحة بالتشاور مع الجهات الرسمية المختصة والالتزام بها، فيمكن لأي شركة أن تصرف الملايين على ما تصرح بأنه يخدم المجتمع وينطلق من مبدأ التزامها بمسؤوليتها الاجتماعية، مع أنه لا يتعدى كونه مجموعة من الصفقات السريعة لتنفيع جيوب الفاسدين وتلميعهم إعلامياً في نفس الوقت.

* كاتب سعودي

Hani_DH@

gm@mem-sa.com