أعلنت إيران يوم السبت 9 نوفمبر 2019 بأنها سلمت دول الخليج والعراق خطتها الإقليمية للأمن والتعاون في المنطقة، أو ما يعرف بمبادرة هرمز للسلام، التي يطلق عليها تودداً تسمية «مبادرة الأمل»، ولا أدري عن نوع الأمل الذي تبشر به، وهذه المبادرة تكلم عنها الرئيس روحاني في الأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2019، ومن بنودها تحقيق أمن الطاقة ضمن تحالف يضم دول الخليج وفي مقدمتها المملكة بالإضافة لإيران، بجانب تأمين حرية الملاحة في مضيق هرمز، والالتزام بعدم الاعتداء أو التدخل في الشؤون الداخلية لدول التحالف المقترح، وهو مشروط بعدم دخول دول أجنبية فيه، والمعروف لا يعرف بطبيعة الحال، ولعلها مفارقة أن تفترض المبادرة وجود جهات مجهولة تهدد أمن الملاحة وتتعرض لناقلات النفط في المضيق، بينما الشواهد تؤكد وقوف إيران خلف كل ما يحدث، وأن ما تقوم به يدخل في خانة ردة الفعل على خروج أمريكا من الاتفاق النووي معها في 2018 والعقوبات الاقتصادية التي ترتبت عليه.

من حيث المبدأ، لا أعتقد أن دول الخليج ستهتم بالمبادرة الإيرانية، والأسباب معروفة، فقد قامت دولة الملالي برفع تخصيب اليورانيوم إلى 5% وهددت بالاستمرار في رفعه، والمسموح به في اتفاق فيينا 3.6% لا أكثر، واستخدمت سياسة الحرب بالوكالة ضد جيرانها، واستهدفت مصالحهم وهددت حدودهم، ثم تطرح فكرة التحالف معهم في مبادرتها، وتعلن ذلك من طرف واحد، وكأنها من دول العالم الأول، أو دولة ذات قيمة في محيطها، أو أمر واقع لا يقبل الرفض بحكم تحولها إلى دولة نووية تستحق قيادة جيرانها، وتنسى أنها تنفق أكثر من نصف موازنتها السنوية لتمويل مشاريعها الطائفية والتخريبية في الخارج، ويشمل هذا الخارج دولاً كالهند والولايات المتحدة نفسها، وإيران تحمل في تكوينها مقومات الدولة الفاشلة والفاسدة معاً، فمظاهرات الإيرانيين ضد الملالي لم تتوقف منذ 2009، والإعدمات العلنية والقمع في الداخل الإيراني لا يمكن تصوره، والطبقة السياسية والعسكرية في إيران تسيطر على 40% من مقدرات الدولة، في المقابل نجد أن الشعب الإيراني، في معظمه، يعاني من ضيق العيش ويفتقد لأبسط أسباب الحياة الكريمة.

الوجود الإيراني يترنح وقد يحتضر في العراق وفي لبنان، والمظاهرات في الدولتين، كما رصدت الإخباريات العربية والغربية، رفضت وبلسانٍ شيعيٍ مبين، أو من أبناء الطائفة الشيعية الاثنى عشرية، قبول زعاماتها السياسية والدينية بالتبعية المطلقة لإيران، وتحولها لأحجار شطرنج تتحرك وفق إرادة السيد في طهران، والمواطن الشيعي قبل غيره، لم يلحظ تطوراً في الخدمات أو في الأمن، وزادت أعداد العاطلين عن العمل من كل الطوائف بمن فيهم الشيعة، وبالتالي فالإنجاز الوحيد الذي يمكن تسجيله، هو تمكين إيران من السيطرة شبه الكاملة على القرار السياسي في الدولتين.

الملفت في الموضوع الإيراني، أن أمريكا اكتفت بالخروج من الاتفاق النووي والتهديد بالخيار العسكري، والكلام يتردد دائماً عن جرأة إيران، وبصورة لا تتناسب مع ما تقوم عليه أغلب المعاهدات والمواثيق الدولية، والولايات المتحدة كانت واثقة وحازمة في تعاملها مع القذافي في مسألة مشابهة، فقد أجبرته على تسليم برنامجه النووي، ودخلت حرباً ضد عراق صدام حسين بتهمة حيازته لأسلحة الدمار الشامل، ولكنها تتردد أمام إيران لأسباب غير مفهومة أو لعلها مفهومة نسبياً، هذا إذا سلمنا بوجود تأثير إسرائيلي فاعل في السياسة الأمريكية، بعيداً عن التصريحات الساخنة والتهديدات المبالغ فيها بين إسرائيل وإيران، فكل ما ترغب فيه إسرائيل هو تحييد خطورة إيران عليها، وفي نفس الوقت يناسبها تماماً ما تقوم به إيران من تعميق لحالة الانقسام العربي، وإلا فكلاهما محتل وربما تفوقت إيران على إسرائيل في أنها تحتل أربع دول عربية وليست دولة واحدة.

الأفضل في رأيي، أن تقوم المملكة والإمارات ومصر والدول العربية الفاعلة بتأمين نفسها ضد النووي الإيراني، وأن تعمل على مشروعها الخاص لمواجهة التهديدات الإيرانية؛ لأن نظام الملالي الفاشل قائم على التطرف المذهبي، وهذا الوصف يعني أنها لا تختلف في قناعاتها عن التنظيم الإرهابي، وقد تلجأ الى الانتحار بتفجير نفسها قبل السقوط.