انشغل الفلاسفة عبر الزمن بالمطالبة بالعدل، وحين جاءت الرسالات الربانية رسخت أهمية إرساء العدل بين البشر، وعندما تطور الإنسان في سن حياته، تشكلت السلط ضمن اتفاق العقد الاجتماعي، بحيث ارتضى الناس عن توزيع السلطة (سلطة قضائية، تشريعية، تنفيذية) لمواصلة السير على مبادئ ذلك العقد مقابل إحلال الأمن والعدل، وألا يجور فرد أو جماعة على أطراف المجتمع.

وظلت السلطة القضائية مستقلة لا يتدخل في شأنها أي كائن من كان، فهي حياض المظلومين وسندهم والمعنية ببث ونشر العدل بين أفراد وطبقات المجتمع يرضخ لها الكبير والصغير على حدٍّ سواء، ومن هنا ظهرت المقولة الشهيرة «لا أحد فوق القانون» وبالأمس تم نشر خبر يقضي «بنقض المحكمة العليا الحكم الصادر بحق قاضٍ سابق بالمحكمة العامة بالعاصمة المقدسة، القاضي بسجنه وجلده لارتكابه عدداً من المخالفات المتنوعة، إذ ارتأت المحكمة العليا أن الحكم الصادر لا يتلاءم مع ما ارتكبه، مطالبة بتغليظ العقوبة التعزيرية بحقه، كون أنه لا أحد فوق القانون مهما كانت مكانته ومنصبه».. والقاضي المعاقب استغل نفوذ منصبه الوظيفي..

وقبل فترة قصيرة طفت على السطح محاكمة القاضي الذي «ركبه جني»، فاستغل منصبه في عدد من المخالفات بحجة أن من أشار إليه بفعل ذلك الجني الذي أوعز له..

هاتان القضيتان تشجعان وزارة العدل على السير على قاعدة لا أحد فوق القانون على أمل أن تصل الرسالة لجميع من هم في سلك القضاء «موظفين بجميع تنوعاتهم»، ويبقى سؤال هل يمكن لوزارة العدل إجراء محاكمات بأثر رجعي على من استغل سلطة نفوذه الوظيفي، وأساء لشرف القضاء، وأضر بالناس ظلماً أو تسلطاً أو مداً لليد على المال العام؟

هما سؤال وأمنية بإجراء محاكمات بأثر رجعي، ما دام القضاء سلطة مستقلة لا أحد يتدخل في شأنها، كما أنها جهة لا تمدح ولا تذم، فالجميل أن هاتين المحاكمتين (لقاضيين) جاءتا من قبل المرجعية القضائية ممثلة في وزارة العدل..

الحياة عدل، وإذا تأرجح تأرجحت الحياة كلها.

* كاتب سعودي

Abdookhal2@yahoo.com