تحتدم الآراء حول فيلم الجوكر (الحاصل على جائزة الأسد الذهبي) والذي حطم شباك التذاكر.

فيلم الجوكر من إخراج تود فيليس وبطولة خواكين فيفيكس.

ولا يزال الاحتدام بين الرؤية النقدية الفاحصة والإعجاب المفرط.. والحالتان لهما سياقات مختلفة، وبين المفرط في الإعجاب والمستدرك على الفيلم تقف نقاط عدة ليس من المهم إقناع الطرفين بصحتها إذ إن الفن دائماً يكون الحكم عليه معتمداً على ذائقة المتلقي، وبين التفاصيل يحمل كل متلقٍّ حجةً فنية للحكم على الجودة الكاملة أو العادية المنتشرة.

ومواجهة الآراء الممجدة لأي عمل فني أو أدبي برأي مخالف يقلل من الجودة لأي عنصر من عناصر الفيلم يصبح يوصم بالرأي النشاز، ويواجه بالاستغراب على ما تم الإجماع عليه.

وفيلم (الجوكر) فيلم شباك بالدرجة الأولى، وأي محاولة للتقليل من اندفاع الجمهور يعد اعتراضاً صارخاً على الذائقة التي تم استجماعها على جودة الفيلم، والاعتراض على أي عنصر من عناصر الفيلم تكون محاولة للخروج من سطوة الإجماع على ذائقة ترى أنها الأصوب في حكمها.

ومن نافلة القول إن أي عمل فني قائم على عناصر عدة متداخلة تتفاعل لإنتاج قيمة فنية يختصم فيها وبها للحكم على الجودة أو العادية، والفيلم منتج لآراء عدة مشاركة في الإنتاج (قصة- سينارست - إخراج- تمثيل- تصوير- مؤثرات)، كما أن الحكم على أي عمل سينمائي يستوجب معرفة الفضاء الزمني والاجتماعي والسياسي وأي أيدلوجية تتحرك فيها أحداث الفيلم والرسائل المستهدف إيصالها للمتلقين.. وحينما تداعب الرسالة الجانب العاطفي عند المتلقي تستطيع اجتذاب الجماهير والسيطرة على عقلية المتلقي لإيصاله على الجزم بالإتقان المذهل للفيلم، ويصبح ذلك الجزم حجاباً يمنع رؤية جوانب القصور في ذلك الإتقان.

وفيلم (الجوكر) استند على الجانب العاطفي لاستمالة المتلقي بكشف الحياة الخلفية لأهم الشخصيات الإجرامية وإظهار الأحداث القاسية المشكلة لنفسية تلك الشخصية في مراحل نموها والمؤثرة في تشكل تلك الشخصية بالتركيز على خلق تعاطف كبير مع الأفعال الإجرامية لتلك الشخصية.

إن الأداء الاستثنائي والمذهل لبطل الفيلم أرثر (خواكين فينيكس) اجتذب عين المشاهد وأسره بحيث أعمى بصره عما يمكن استداركه من نقص.

فالجانب النفسي الذي صاغ شخصية (الجوكر) أجاد في البناء المتدرج للشخصية، ووصل البناء إلى مرحلة الإقناع والتسامح مع كل الجرائم المرتكبة من غير التنبه أن الأفعال الإجرامية أفعال مستفزة ومنكرة عند النفس السوية، وبلغ ذلك الإقناع سلب المشاهد الاتزان في الحكم على الوحشية المتناهية وشارك البطل في الضحك أثناء ارتكاب الجرائم الوحشية.

وفي بناء الشخصية والأداء الخرافي جعل من القصة العادية حدثاً متصاعداً يتغلب على العادية السردية للشخصية ليحل محلها الانبهار والتسامح مع ما تفعله من جرائم.

المرعب في هذا الفيلم مشاركة البطل الضحك الهستيري والاستمتاع بارتكاب أبشع الجرائم كنتيجة لتقبل تلك الشخصية المريضة نفسياً.

وهذا يعجل بدعوة علماء النفس لدراسة الأثر النفسي السلبي المنقول إلى المشاهدين، فتحليل نفسية شخصية البطل، كما قدمت، أنتج فعلاً مشابهاً (وأحياناً متطابقاً) لدى الجمهور.

ولكي لا تكون هذه المقالة حكماً قاطعاً على فيلم (الجوكر) أحتاج رؤيته مرة ثانية وثالثة لتدبر استكمال الحكم.

وعلى ما خلفه الفيلم من احتدام بين التماهي مع قصة البطل بآثارها النفسية وما أحدثه من تقبل الوحشية لدى المشاهد ستكون هناك مقالة تالية بعد المشاهدة الثانية والثالثة أيضاً.