أثارت توصية لصندوق النقد الدولي في تقرير مشاورات المادة الرابعة للمملكة لعام 2019 الذي صدر أخيراً، بدراسة زيادة ضريبة القيمة المضافة إلى 10% من نسبتِها الحالية عند 5% بالتشاور مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى توصيات أخرى من بينها إعادة هيكلة نظام الخدمة المدنية وإلغاء عدد من الامتيازات لموظفي الدولة، حالة من القلق بين رجال الأعمال والمواطنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأشعلتها الآراء السلبية العابرة للحدود أو ما بات يعرف بـ«الذباب الإلكتروني» الذي يحوم على منصات التواصل، رغم أن محتوى التقرير كان إيجابياً للغاية، وبعيداً تماماً عن ردود الفعل السلبية والسطحية وغير الموضوعية في وسائل التواصل الاجتماعي وانعكاساتها السلبية وغير المنطقية على الرأي العام، وهو ما يجب أن يدفعنا لتوضيح بعض الملابسات التي تم تأويلها بشكل سلبي وخاطئ.

فبداية، حظي «تقرير مشاورات المادة الرابعة» بالكثير من الإشادات وطغت الإيجابيات على مجمل المحتوى، حيث أكد التقرير على التقدم الذي أحرزته المملكة في تنفيذ برنامجها الإصلاحي في تنويع الاقتصاد والنمو الشامل وخلق فرص العمل وتحسين مناخ الأعمال وتقوية الأطر القانونية، وأكد على استمرار تعافي الاقتصاد غير النفطي، متوقعاً أن تتسارع معدلات النمو لتصل إلى 2.9% خلال العام الحالي وانخفاض معدل البطالة وقوة نمو الإقراض العقاري، وزيادة حجم الاحتياطيات المالية لدى مؤسسة النقد السعودي، كما توقع التقرير انخفاض العجز الأولي غير المرتبط بالصادرات النفطية، وأن هذه الإيجابيات نتيجة للجهود القائمة لتنفيذ رؤية المملكة 2030 التي انتقلت من المرحلة النظرية إلى التنفيذ العملي، وبين التقرير كذلك أن هذه الإصلاحات تُوِّجت بإدراج المملكة في مؤشرات أسواق الأسهم والسندات العالمية هذا العام.

أما بالنسبة إلى توصيات تقرير الصندوق برفع معدل ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار المياه وفواتير الأجور الحكومية، ومراجعة نظام الخدمة المدنية لتخفيض الرواتب وتقليص الامتيازات، وزيادة الرسوم على العمالة الوافدة، وإلغاء صرف بدل غلاء المعيشة (حساب المواطن)، فيجب أن ندرك حقائق أساسية، وهي أن مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد، هي مؤسسات مالية تقدم التمويل والمشورة بشأن السياسات المالية والاقتصادية للدول الأعضاء، وتقدم قروضا للدول التي تواجه مشاكل في ميزان المدفوعات، وتؤدي أدواراً رقابية تتعلق بمستوى التقيد بالمعايير الاقتصادية والمالية اللازمة لتعزيز الاستقرار المالي العالمي، وتوصياتها عندما تجد أي مؤشرات سلبية كنسبة العجز المالي في موازنات الدول، لا تخرج عادة عن إطارها العام في المطالبة بـ«ترشيد وتحسين كفاءة الإنفاق» و«رفع نسبة الفوائد» و«رفع نسبة الضرائب»، ففي نهاية المطاف هذا الصندوق يدار بعقلية إدارة بنك وليس إدارة شؤون دولة، ولذلك لن يقدم الصندوق توصيات بزيادة الإنفاق على التعليم والأبحاث العلمية لتعزيز اقتصادات المعرفة على سبيل المثال، أو الاستثمار في الطاقة البديلة وتقليص الاعتماد على النفط، أو دعم بناء إستراتيجيات لتعزيز عدد من القطاعات الصناعية، ولن تدرس وتقيم إستراتيجيات الدول وخططها الاقتصادية والتنموية فهذا الأمر هو شأن سياسات الدول وحكوماتها، وكحال أي بنك أو مؤسسة مالية على مستوى العالم وبرغم اختلاف التطبيقات ونوعية العملاء، فإن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ليسا جمعية خيرية وإنسانية ولا تهمهما أحوال الشعوب المادية والاجتماعية بشكل مباشر فهذه المسائل ليست من سياساتهما وأهدافهما الأساسية، وإنما من اختصاص الدول وسياساتها والتزاماتها تجاه شعوبها، وعادة لا تتدخل مجموعة البنك الدولي وصندوق النقد في السياسات المالية للدول إلا إذا اقترضت إحدى الدول الأعضاء من الصندوق نتيجة لمشاكل مالية مزمنة تعاني منها وارتفاع معدلات العجز بما يستوجب الاقتراض، وهذا لا ينطبق على السعودية لأنها دولة غنية واقتصادها قوي وضمن مجموعة العشرين.

والمملكة ليست ملزمة بتطبيق توصيات صندوق النقد الدولي إلا إذا وجدت أن هذه التوصيات تأتي في سياق توجهاتها وسياساتها الاقتصادية، خاصة أنها دولة مانحة وداعمة وليست مقترضة، فهي تمتلك مقعدا دائما في المجلس التنفيذي لإدارة الصندوق وتحتل المرتبة السابعة بين الدول الأعضاء (189 دولة) من حيث قوتها التصويتية لأنها تساهم بأكثر من 3% من رأسمال صندوق النقد الدولي، كما أن لدى المملكة مؤسسات معنية بالاقتصاد والتخطيط والتنمية، ولديها بيوت خبرة ومجالس خبراء، وعادة الدول الكبيرة لا تدير شؤونها المالية والاقتصادية وسد أي عجز مالي لديها من خلال «توصيات» صندوق النقد الدولي، فهي لديها خططها واستراتيجياتها في كيفية تحسين وتطوير مواردها المالية، فمثلا، عندما سئل وزير المالية الصيني شياو جيه العام الماضي في مؤتمر صحفي عن كيفية تقليص العجز في ميزانية بلاده، قال إن العجز الحكومي المتوقع هو 2.38 تريليون يوان (نحو 339 مليار دولار)، وإن بلاده ستعزز إنفاقها المالي والسندات الخاصة للحكومات المحلية، وإنها رفعت ميزانيتها للإنفاق العام في 2018 بواقع 7.6%، وتعتزم خفض الضرائب على الشركات والأفراد بأكثر من 800 مليار يوان (حوالى 113 مليار دولار)، وإن الموازنة المالية سوف تركز على درء المخاطر الكبرى وتخفيف الفقر ومكافحة التلوث وتحسين مستوى معيشة الشعب، ولم يقل إن بلاده ستنفذ توصيات الصندوق الدولي في كيفية تقليص العجز المالي لبلاده، وهذا هو المنطق مع الدول التي لديها مؤسسات واستراتيجيات اقتصادية لتسيير شؤونها وليست بحاجة إلى توصيات صندوق النقد، فهي أدرى بشؤونها طالما أنها لم تلجأ للصندوق أساساً.

أما بالنسبة لوجود عجز في الميزانية، فهذا الأمر طبيعي جدا ومعدلاته معقولة، فالولايات المتحدة التي تتربع على عرش الاقتصاد العالمي كأكبر وأهم اقتصاد في العالم منذ عام 1872، لديها عجز مالي سنوي منذ عام 2001، وبلغ العام الماضي 779 مليار دولار، ما يمثل زيادة 113 مليار دولار عن السنة المالية السابقة وبنسبة 3.9%، وكذلك الصين ثاني أقوى اقتصاد في العالم، أيضاً لديها نسبة عجز مالي سنوي منذ عام 1986، وبريطانيا لديها عجز مالي سنوي منذ 2002، واليابان كذلك لديها معدلات عجز منذ عام 1993، ومع ذلك هذه الدول هي أقوى اقتصادات العالم، وبالتالي هذا الأمر لا يجب أن يكون مصدر قلق للشارع العام.

خلاصة القول.. السعودية دولة مؤسسات ولديها ثقل سياسي واقتصادي كبير على الصعيد العالمي، وتحظى بقيادة كاريزماتية، ولها سياسات واستراتيجيات اقتصادية وخطط تنموية ذات معايير رصينة، ولديها رؤية مستقبلية عظيمة تصب في صالح رخاء واستقرار شعبها، وهي ليست «جزر موز» كحال بعض الدويلات التي تعوض عقد النقص لديها ببث سمومها وكراهيتها وحقدها عبر وسائل التواصل الاجتماعي لإشغال الرأي العام ومحاولة التأثير عليه.

* كاتب سعودي

ktashkandi@okaz.com.sa

@khalid_tashkndi