رحم الله الطالب «معتز»، الذي تعرض للخنق حتى الموت على يد أحد زملائه في مدرسة ابتدائية في العاصمة الرياض قبل أيام، وبكل ألم نرفع تعازينا لوالديه وكافة أفراد أسرته والوطن بشكل عام، فالحادثة فاجعة بمعنى الكلمة، ويجب أن لا تمر دون أن يفتح ملف المراجعة الشاملة لكل الإجراءات المتخذة لحماية فلذات أكبادنا في المدارس.

الأخبار المتداولة تشير إلى أن الحادثة وقعت في فناء المدرسة خلال فترة «الفسحة»، وهو ما يعني أنها نتيجة لضعف الرقابة على الطلاب من قبل المكلفين بها، وربما كان لعدد الطلاب الكبير دور في ذلك، فمن الصعب أن يسيطر بضعة معلمين لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة على سلوك مئات الطلاب الذين يعج بهم فناء المدرسة.

المتبع في المدارس، كما أعرف ويعرف من لديهم اطلاع، أن هناك من 2 إلى 4 معلمين تقريبا يشرفون عادة على الطلاب خلال أوقات الفسح في أفنية المدارس، وعلى افتراض أن عدد طلاب المدرسة نحو 400 طالب (وهذا عدد قليل بالنسبة لمدارس المدن الكبيرة) فإن كل مشرف مكلف بمراقبة 100 طالب على الأقل، فكيف يمكن منطقياً أن يسيطر على سلوك أطفال بهذا العدد في مرحلة عمرية تتسم بفرط النشاط والحركة؟

ليس هذا دفاعاً عن المعلمين الذين أشرفوا على الطلاب أثناء حادثة مقتل الطفل «معتز»، ولكنه حديث العقل والمنطق، فالمسؤولية هنا على عاتق من وضع هذه الآلية الضعيفة لمراقبة مئات الأطفال دون الثانية عشرة من العمر، والتي أدت في نهاية المطاف إلى فاجعة كهذه وستؤدي إلى غيرها إن استمر تطبيقها.

الناس يرسلون أبناءهم إلى المدارس وكلهم ثقة بأن فلذات أكبادهم في أيدٍ أمينة، ويجب أن تدرك هذا إدارات المدارس خصوصاً الابتدائية، فوضع الفسحة المعمول به حالياً وضع خاطئ تماماً وفي منتهى الخطورة، وينبغي أن يُلغى ويوضع نظام آخر يسهل عملية الرقابة لحماية الطلاب.

قبل نحو 20 سنة عملت في التعليم لفترة وأعرف جيداً الصعوبات التي يواجهها المعلم في السيطرة على الأعداد الكبيرة من الطلاب، وأعرف أن أفنية الكثير من المدارس الحكومية ليست مؤهلة للأسف من ناحية «إجراءات ووسائل السلامة»، فلا وجود لكاميرات مراقبة، ولا عدد المشرفين يكفي، ولا المكان صالح لزج أعداد كبيرة من الأطفال فيه خلال نصف ساعة كل يوم، بل إنه لا توجد حتى إحصائية لدى وزارة التعليم عن عدد الإصابات البسيطة التي يتعرض لها الطلاب في المدارس جراء الركض والمشاجرات خلال أوقات الفسح، إذ لا يُنظر لهذا الأمر كمشكلة تستحق الدراسة من الأساس.

لقد استلم معالي وزير التعليم الدكتور حمد آل الشيخ -أعانه الله- تركة ثقيلة جداً، وكلي ثقة في أنه سيفعل المستحيل لمعالجة الإشكاليات المتراكمة في البيئة التعليمية، ولعله يبدأ المعالجة من المدارس الابتدائية وبأسرع وقت ممكن، وأن يستعين بفرق عمل مؤهلة من خارج وزارته لتطبيق الحلول السريعة التي تضمن أن لا نسمع بفاجعة أخرى شبيهة بحادثة الطفل معتز رحمه الله وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

* كاتب سعودي

hd.alhayat@gmail.com