تتعامل أغلب وزاراتنا ومؤسساتنا الحكومية مع المشكلات فقط، أي إيجاد حلول لتلك المشكلات حين تقع والحذر كل الحذر من ألا تقع تلك المشكلات المسؤولة عنها كل وزارة أو مؤسسة حكومية. وكأن منتهى غاية تلك الوزارات والمؤسسات الحكومية هو تحقيق الحدود الدنيا من أهدافها أي لا تقع مشكلات، أو كأن تلك الوزارات تستحي أو لا تملك الجرأة للسباحة في المياه الإقليمية بينها وبين الوزارات الأخرى المجاورة والمقابلة لها.

لا فرق عندي بين مسؤولية الأطباء والطبيبات وهم يعالجون المرضى ويوصفون لهم العلاج في ضوء نتائج التحاليل والاختبارات الحالية المباشرة من دون معرفة حالتهم الغذائية، أو المعلمين والمعلمات يختبرون ويمتحنون الطلبة فيقررون رسوبهم وفشلهم بالاختبار المباشر دون معرفة أن هذا الطالب لم يفطر على سبيل المثال أو أنه يعاني من سوء التغذية وربما أسرته وربما قريته.

الأطباء والطبيبات ينتمون لوزارة الصحة، فيما ينتمي المعلمون والمعلمات لوزارة التعليم، ومسؤولية سوء أو نقص التغذية للطلبة والطالبات ضائعة وغير محددة هو نتيجة وانعكاس للعلاقة بين وزارة الصحة ووزارة التعليم مداً وجزراً. كلما توطدت العلاقة بين وزارة الصحة ووزارة التعليم، أثمرت هذه العلاقة عن دور ملموس ومتزايد للأطباء والطبيبات مقابل دور المعلمين والمعلمات على الحالة الغذائية للطلبة والطالبات وعلى المجتمع ككل. لا أبالغ إذا قلت إن العلاقة بين الصحة والتعليم هو المؤشر الفعلي لتحسن العلاقة بين بقية الوزارات والقطاعات الحكومية، نظرا لحجم الجمهور الذي تتعامل معه وزارة التعليم، ووزارة الصحة كذلك.

أثناء لقاء معالي وزير الصحة بكتاب الرأي في مقر جمعية كتاب الرأي، سألته عن إمكانية أن تلعب وزارة الصحة دوراً أكبر في تقييم وتحسين حالات الطلاب والطالبات صحياً وغذائياً، وذلك قياساً على الدور المتنامي وامتداداً للإجراءات الجريئة التي أصبحت تلعبها وزارة الصحة وهيئة الغذاء والدواء مؤخراً في المطاعم والمقاهي حول تحسين مستوى الغذاء ومكافحة الملوثات الغذائية والسكريات والملح وما إلى ذلك حفاظاً على الصحة. وقد تحدث معاليه عن مجمل ما تقوم به الوزارة وهي بلا شك إنجازات مذهلة وهائلة خاصة بما تم توظيفه مما أتاحته التقنية الحديثة من تطبيقات وبرامج تمكنت من إسقاط الكثير من جدران البيروقراطية، وكذلك توحيد عناصر الزمن والجغرافيا في معطى الجودة، أجاب معاليه إلى أن هناك برنامج الفحص الاستكشافي الذي تزمع الصحة القيام به على نطاق شامل لطلبة وطالبات المدارس وهذه بلا شك بداية مهمة، لكن الطريق طويلة في مشوار الربط بين الغذاء والصحة وهي أطول بكثير للربط بين الغذاء والتعليم.

رحلة وتجربة طويلة تخللها الكثير من التقلبات بين الوزارتين. فلقد مرت العلاقة بين الوزارتين تاريخياً بمد وجزر من خلال برنامج الصحة المدرسية والذي يفتقر لمقومات الصحة والغذاء والإرشاد النفسي والاجتماعي. ظلت المدارس في حاجة إلى أخصائيين غذائيين وأخصائيات غذائيات وأخصائيين نفسانيين واجتماعيين لفترة طويلة.

أتمنى أن تتفاعل وزارة التعليم وتخطو خطوة للأمام على طريق بناء إستراتيجية مشتركة مع وزارة الصحة وهيئة الغذاء والدواء تقوم على العلاقة الكيميائية بين الحالة الغذائية للطلاب ومستوى التحصيل العلمي للطلبة والطالبات، والذي تتحدث عنه الدراسات وينادي به خبراء النبوغ والإبداع والذكاء والعبقرية.

أخيراً، لقد علمتنا وزارة التعليم أن «العقل السليم في الجسم السليم»، وعلمتنا وزارة الصحة «أن درهم وقاية خير من قنطار علاج»، أما التقنية الحديثة فقد علمتنا أن الطريق بين وزارة الصحة ووزارة التعليم لا بد أن تكون باتجاهين اثنين، فلم يعد الطريق ذو الاتجاه الواحد سالكاً للذكاء الاصطناعي، ولم تعد إستراتيجية الصحة تكفي بمعزل عن إستراتيجية التعليم لأن الإستراتيجيتين تنبثقان من إستراتيجية أخرى هي إستراتيجية الغذاء والتغذية والسلوك الغذائي.

* كاتب سعودي