في العام 1889 أنشأ «ميرزا غلام أحمد» جماعة دينية في منطقة البنجاب الهندية، التي كانت تحت الإدارة البريطانية، لم يكن تأسيس الجماعة عبثاً فقد تبعها بعد سنوات عدة تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في مصر العام 1928 على يد «الساعاتي» حسن البنا، كانت مصر تحت الإدارة الإنجليزية وإشراف مندوب حكومة جلالة ملك بريطانيا العظمى.

جاء تأسيس جماعة الإخوان في مصر أكبر بلد عربي بعدما لمس البريطانيون نجاح تجربتهم في اختراق المجتمع الإسلامي في الهند على يد الجامعة الأحمدية، كان التأسيس استكمالاً لمشروع إنجليزي طويل المدى وواسع النطاق، للسيطرة على المجتمعات المسلمة وإطالة أمد الاحتلال لقناعتهم بتأثير الإسلام في وجدان الشعوب المحتلة، وأنه من المفيد السيطرة عليه وعلى أتباعه والتحكم في تعاليمه ومخرجاته عبر تلك التنظيمات المشبوهة.

بالفعل استطاعت المخابرات الإنجليزية خلق ذراعين في الهند ومصر تحت غطاء إسلامي وتعميق تجذرها للسيطرة على المجتمعات وتفتيتها وزرع الفتن والاختلافات الطائفية والفقهية بينها.

وفي محاولة لنقل تلك التأثيرات على المشهد السياسي والاجتماعي والديني للجزيرة العربية التي توحد معظمها تحت حكم جلالة الملك عبدالعزيز، أرسل الإنجليز حسن البنا للقاء الملك والتأثير عليه ولاختراق مشروعه العروبي الإسلامي الوحدوي.

وبالفعل وصل حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين في مصر إلى مكة المكرمة العام 1936 للقاء الملك عبدالعزيز تحت غطاء الحج، والتقى الملك بالبنا ضمن استقباله للوفود الإسلامية المشاركة في موسم الحج، وما إن وقف حسن البنا أمام الملك المهيب حتى انحنى مقبلاً يده، ووثق ذلك في صورة شهيرة.

كانت فكرة إنجليزية لاختراق الملك الذي استعصى عليهم، واستطاع أن يتعامل معهم بدهائهم نفسه، بل تفوق عليهم في كثير من الأحداث والقضايا السياسية، ولم يرضخ لا لضغوطهم ولا ابتزازهم ولا مكرهم.

لعل الكثير لا يعلم أن سبب العداء والتشويه المتعمد للملك عبدالعزيز وأبنائه الملوك من بعده حتى يومنا هذا، أتت بسبب رفض الملك طلب البنا انتقال جماعته إلى السعودية والسماح بنشاطها الحزبي، ومنذ تلك اللحظة الفارقة، عمد أتباع البنا على حشد الرأي العام العربي والإسلامي ضد مشروع الملك عبدالعزيز، عندما روجوا - كذبا - في بدايات توحيدها أن الدولة السعودية تتعرض للمقام النبوي الشريف في المدينة المنورة وهو ما ثبت افتراؤه فيما بعد، فالمسجد النبوي بكل إرثه ماثلاً بيننا مع كل الاهتمام والرعاية التي نالته على أيدي الملك وأبنائه حتى الآن.

لم تكتفِ جماعة الإخوان بذلك وهي تتبنى أفكار التنظيمات السرية في تشويه واغتيال خصومها، فأطلقت هي وحلفاؤها من الشيوعيين واليساريين واحدة من أكبر كذبات القرن تتهم فيها الملك عبدالعزيز بالتنازل عن فلسطين لصالح اليهود، في وقت تأسست فيه المملكة العربية السعودية بعد الاستيطان اليهودي في فلسطين، وممارسة الجماعات الصهيونية نشاطها تحت أعين المحتل العثماني ومن بعده الإنجليزي، بل إن وعد بلفور صدر قبل تأسيس المملكة العربية السعودية في شكلها الحديث بخمسة عشر عاماً، وقبل قيام سلطنة نجد العام 1921 بأربع سنوات. لقد تأسست إسرائيل قبل إنشاء الدولة السعودية الثالثة في كل مراحل تكوينها من السلطنة حتى الوحدة الكاملة، ومع ذلك يروجون لوثيقة مزورة، ولا يعلنون عن الحقائق الماثلة في خطابات الملك عبدالعزيز والملوك السعوديين من بعده لرؤساء الولايات المتحدة الأمريكية دفاعاً عن القضية الفلسطينية، بدءاً من لقاء الملك عبدالعزيز والرئيس روزفلت والمثبتة في المحاضر والرسائل.

أخيراً، لم تعد تنطلي مثل هذه الألاعيب السياسية لتشويه واغتيال السعودية معنوياً التي تقوم بها جماعات الإسلام السياسي وعلى رأسها تنظيم الإخوان، فالمعلومة لم تعد مغيّبة على من يبحث عن الحقيقة، ولم يعد المزورون قادرين على تمرير وثائق أو تزوير منشورات غير حقيقية، وكل من يبحث عن الحقائق في هذا العصر يستطيع الوصول إليها في لحظات.

* كاتب سعودي

massaaed@

m.assaaed@gmail.com