يتوجب على المجلس السيادي ومجلس الوزراء والتشريعي خلال المرحلة الانتقالية بناء الثقة بين جميع الأطراف المختلفة، المؤسسة العسكرية والقوى المدنية. وعلى مختلف القوى أيضا العمل معا للتخلص من إرث الصراع والتشتت والتسلط السياسي من خلال بناء آليات للحوار الفعال والمشاركة، والعمل على إبعاد شبح الديكتاتورية عن إدارة شؤون الدولة. وهو ما أخذته النخب السياسية حاليا في الاعتبار مما ساهم في التوصل إلى وفاق وطني واضح لنقل السلطة من خلال الوثيقة الدستورية واتفاق السلام. ويتوجب أيضا على الحكومة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في مرحلة ما بعد 17 أغسطس لبناء مؤسسات الدولة وفق أسس المشاركة بين مختلف القوى مدنية وعسكرية بدون أي تمييز أو تهميش، وترجمتها في حكومة متماسكة أمام ما يشهده السودان من تحديات مركبة اقتصادية أمنية سياسية اجتماعية.

كما على القيادة الانتقالية في مجالسها الثلاثة مواجهة النزعات الانفصالية بعد رفض الجبهة الثورية الاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، واعتبار الاتفاق لم يخاطب القضايا المركزية. الخلاف بين قوى الحرية والتغيير والجبهة الثورية يستحق طرق جميع الأبواب ويستحق تدخلات إقليمية لحل هذه الخلافات على غرار مباحثات القاهرة الأخيرة، من مصر وجنوب السودان وإثيوبيا وتشاد لوضع نهاية إيجابية بين الأطراف. ولن تكتمل العملية السياسية إلا بمشاركة فعالة من الجبهة الثورية في المجلس السيادي أو في الحكومة أو التشريعي، وعلى حكومة عبدالله حمدوك في المرحلة الانتقالية إعطاء أولوية خاصة للأقاليم والمناطق المهمشة وبالتالي المحافظة على تماسك السودان ضد أي محاولة انفصال أخرى. وعلى الحكومة في المرحلة الانتقالية مواجهة الأزمة الاقتصادية الطاحنة والمتمثلة في ارتفاع أسعار السلع الغذائية والمحروقات وغيرها، ما يزيد الوضع تأزما، خصوصا أنّ تردّي الأوضاع الاقتصادية كان بمثابة الشرارة التي أشعلت التظاهرات في ديسمبر الماضي. ومن ثم فإنهاء هذه المعاناة التي استمرت سنوات شديدة يجب أن يكون على هرم أولويات رئيس الحكومة الانتقالية، فالأزمة كانت السبب في حالة المعاناة التي يعيشها أكثر من 55% من السكان، بل سببا أصيلا في حملهم السلاح في وجه السلطة، ولن تكون هناك حلول سحرية تنبع من الداخل إلا بدعم من الدول العربية والدولية لتجاوز الأزمة.

من ناحية أخرى هناك محاذير على هذه المحطة التي أبحر إليها السودان الجديد، وخاصة أن كل تجارب الماضي منذ استقلال الدولة قد انتكست بانقلابات عسكرية جددت ميراث الصراع، وهذا ما عكسته تخوفات قوى الجبهة الثورية وبعض القوى المدنية كالحزب الشيوعي وشبكة الصحفيين، فضلا عن الخوف من سطوة تيار الإسلام السياسي كالإخوان الذي سيطر عقودا عديدة على المشهد السياسي السوداني. ويشارك الإخوان من خلال مجموعات موالية في الحراك الشعبي كحركتي الأنصار والصحوة، وكمكون من قوى الحرية والتغيير هي في حالة بحث عن شرعية جديدة. هناك تخوف من استخدامها آليات الديمقراطية للوصول إلى السلطة والتمكن ومن ثم الانقلاب على مجمل العملية السياسية بل المشهد ككل، وللجماعة تحالفات إقليمية خارج الإطار الوطني مع مثلث الشر إيران وتركيا وقطر بالإضافة إلى التنظيم الدولي للإخوان المترامي الأطراف ولا شك أن مثلث الشر يبحث في التسلل إلى السودان وخلق فوضى سياسية من أجل إمبراطورية الوهم التي يحلم بها حمد بن خليفة وأردوغان.

وهناك عدة سيناريوهات متوقعة للحالة الراهنة.

أولا، أن تنجح سياسة التوافق بين القوى الفاعلة المشكلة أساسا لقوى الحرية والتغيير مع تكيف العسكر مع الوضع الجديد، نحو بناء سودان جديد ينقل تعددية التنوع العرقي الديني والمذهبي واللغوي من حالة الصراع إلى حالة البناء والمشاركة الإيجابية تحت سيادة واحدة وسلطة واحدة ووطن واحد، والتخلص من ميراث صراع دولة ما بعد الاستقلال بين مختلف الأطياف والتيارات. وتتجه هذه الأطراف لتبني سياسة متوازنة تعكس قوة هذه الأطراف على الأرض لصياغة المرحلة الانتقالية سواء في شقها الأول بقيادة العسكر أو في شقها الثاني بقيادة المدنيين والعمل على اجتثاث ميراث التهميش ومصادره وأسبابه، واستكمال حوار القاهرة بحوارات أخرى لدمج الجبهة الثورية على الاتفاق في العملية السياسية بمكوناتها الثلاثة، وهو احتمال قوي قابل للتحقق خصوصا بوجود قوى إقليمية تريد سودانا أكثر استقرارا ضمن محيطه العربي.

ثانيا، أن تنتكس هذه المرحلة بسبب جسامة التحديات التي تواجه السودان الجديد، وخاصة في ظل وجود أحزاب وحركات مسلحة رفضت الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، وبدون التخلص من الآثار السلبية لهذه التحديات فلن يستطيع السودان الجديد أن ينطلق نحو مستقبل يأمله شعبه، وهذا الاحتمال وارد لكنه ليس أساسيا.

* نائب رئيس أكاديمية ربدان‏

faisalalayyan@