«عكاظ» (منى)
أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز أن الله شرف المملكة بخدمة الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن، خدمة نفخر بها، فجعلنا رعايتهم وسلامتهم في قمة اهتماماتنا، وسخرنا لهم كل ما يعينهم على أداء حجهم، وفق مشاريع متكاملة تهدف إلى تيسير أداء الحج، وسلامة قاصدي بيته الحرام، ومسجد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، مكملين بأعمالنا الجهود الجليلة التي بذلها ملوك هذه البلاد المباركة، منذ عهد مؤسسها جلالة الملك عبدالعزيز رحمه الله رحمة واسعة.

وقال الملك سلمان خلال حفل الاستقبال السنوي الذي أقامه في الديوان الملكي بقصر منى أمس (الإثنين)، لقادة الدول الإسلامية، وكبار الشخصيات الإسلامية، وضيوف خادم الحرمين الشريفين، وضيوف الجهات الحكومية، ورؤساء الوفود ومكاتب شؤون الحجاج الذين أدوا فريضة الحج هذا العام: «الحمدُ لله رب العالمين القائل في كتابه الكريم (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامرٍ يأتين من كل فج عميق)، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أحييكم من جوار بيت الله العتيق، من مهبط الوحي ومنبع الرسالة المحمدية الداعية إلى التسامح والتحاور، وأهنئكم بعيد الأضحى المبارك يوم الحج الأكبر، أعاده الله على الجميع بالخير والبركات».

وأضاف: «في الحج تتجلى دعوة الإسلام الجوهرية في وحدة الأمة كما في هذا التجمع الكبير، وفي إقامتهم في هذه المشاعر المقدسة في زمان ومكان واحد، ملبين دعوة ربهم لحج البيت العتيق، تاركين خلفهم متاع الدنيا وزخرفها. أسأل الله لكم قبول أعمالكم، وأن يجعل حجكم مبروراً، وسعيكم مشكوراً، ودعاءكم مستجاباً، وأن يعيدكم إلى بلدانكم سالمين غانمين، إنه سميع مجيب».

وتقدم حضور الحفل رئيس الجمهورية اليمنية عبدربه منصور هادي، رئيس وزراء جمهورية جيبوتي عبدالقادر كامل محمد، رئيس الوزراء الغيني الدكتور إبراهيم كاسوري فوفانا، رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي، رئيس الحزب الحاكم المسؤول عن شؤون الحج في جمهورية موريشيوس شوكت سودهن، رئيس حزب عدالة الشعب الماليزي أنور إبراهيم، نائبة رئيس الوزراء وزيرة التنمية لشؤون المرأة والأسرة والمجتمع في ماليزيا الدكتورة عزيزة بنت وان إسماعيل، ورؤساء مجالس النواب في عدد من الدول الإسلامية.

2.5 مليون حاج جسدوا قيم الإنسانية المسالمة

أكد وزير الحج والعمرة الدكتور محمد صالح بن طاهر بنتن أن أكثر من مليونين ونصف المليون حاج وقفوا على صعيد عرفات، من 130 دولة يحملون أكثر من 170 جنسية بألوان وأعراق ولغات متعددة، ثلثهم من كبار السن وتزيد أعمارهم على الـ70 عاماً ونصفهم من النساء، وكان تجمعهم ووقوفهم أبلغ تعبير وتجسيد للتعاليم الإسلامية السامية وتعميقا للقيم الإنسانية المسالمة.

وقال: «الحجاج حفتهم عناية الله ثم رعاية حكومة المملكة، وحسن ضيافة الشعب السعودي الذي يتشرف بخدمة الحرمين الشريفين وخدمة الحجيج دون توان عن بذل الغالي والنفيس من أجل ضيوف الرحمن، مواصلين العمل على توفير أقصى سبل الراحة لتيسير أداء الحج والعمرة لضيوف الرحمن الذين جاءوا من مشارق الأرض ومغاربها».

ولفت بنتن إلى أن توجيهات القيادة تظل نبراساً للعمل على تأمين وتسهيل أداء مناسك الحج، وكانت حافزاً للعمل الجاد والدؤوب لتنفيذ الخطط التشغيلية التي تم العمل على إعدادها منذ انتهاء موسم حج العام الماضي، وبعد تخطيط ودراسة مبنية على التجارب والخبرات المتراكمة للمملكة في خدمة وتنظيم وتوعية جموع الحجيج ليعودوا إلى بلادهم سالمين غانمين.

وبين أن توجيهات خادم الحرمين خففت على المسلمين وذلك بمنح وإصدار التأشيرات للحجاج والمعتمرين إلكترونياً دون الحاجة لمراجعة السفارات السعودية في الخارج، والاستمرار والتوسع في تطبيق مبادرة «طريق مكة».

وتطرق الدكتور بنتن إلى برنامج خدمة ضيوف الرحمن الذي يعد أحد أهم برامج رؤية المملكة 2030، والذي أطلق 130 مبادرة اعتمدت لها ميزانيات تزيد على 100 مليار ريال، وسيشارك في تنفيذها أكثر من 32 جهة حكومية ومئات الجهات من القطاع الخاص لخدمة ضيوف الرحمن وتهيئة وتوسعة الحرمين الشريفين والعناية بهما، وتهيئة المشاعر المقدسة لاستيعاب جميع الحجاج المؤدين لمناسك الحج وتوفير البنية التحتية والمرافق والخدمات بأشكالها كافة وتوظيف التقنية في خدمة ضيوف الرحمن.

وأضاف: «نحمد الله على ما نسمعه ونراه من ضيوف الرحمن والمتابعين لهذا الحدث الإسلامي العظيم وما تتناقله وسائل الإعلام المحلية والعربية والعالمية وشبكات التواصل الاجتماعي من دعوات صادقة وإشادة بجهود المملكة الكبيرة في تهيئة المناخ المناسب والحاجات والخدمات اللازمة لراحة وطمأنينة وأمن هذه الأعداد الهائلة من المسلمين».

المملكة تقوم بعمل جليل

قال عضو المجلس الأعلى لرابطة العالم الإسلامي الدكتور محمد هداية نور واحد، في كلمته بالحفل: «نحمد الله تعالى على ما تفضل به من تيسير الحج وأمنه، وتعزيز أخوة الإسلام على هذه البقاع الطاهرة، وهي تنعم بلطف المولى جل وعلا ورعايته، إذ اصطفى لهذا العمل الجليل من نهض بمسؤوليته بكل قوة وأمانة، فكانت خدمة الحرمين الشريفين تكليفا وتشريفا».

ورفع باسم رابطة العالم الإسلامي التي تضم في مجالسها وهيئاتها ومجامعها العالمية كبار علماء ومفكري الأمة الاسلامية، أجزل الشكر وأوفاه لخادم الحرمين الشريفين وولي عهده على ما لمسه الجميع من الأثر المبارك لخدمة الإسلام والمسلمين.

وأضاف واحد: «لقد صدر عن أكثر من 1200 مفتٍ وعالم في شهر رمضان الماضي، وهم يمثلون 27 مكوناً إسلامياً من مختلف المذاهب والطوائف، وثيقة تاريخية هي وثيقة مكة المكرمة، في أعقاب مؤتمر رابطة العالم الاسلامي. حفلت بـ29 فقرة، رسمت منهج علماء الأمة الإسلامية مجتمعين لها في أطهر البقاع، حيث قبلتهم ومرجعيتهم الجامعة في مكة المكرمة، وقد وافى صدور هذا المنجز الكبير فضل الـ10 الأواخر من شهر رمضان المبارك».

واستطرد: «ومن فضل الله تعالى أن هذه الوثيقة لقيت ترحيبا كبيرا، سواء من الداخل الإسلامي أو خارجه، موضحة سنة الخالق سبحانه في الاختلاف والتنوع والتعدد، ورافضة كافة شعارات الاستعلاء والإقصاء وأصوات الكراهية والعنصرية، أيا كانت ذرائعها، مع التأكيد على أن التباين بين الأمم والشعوب في الأديان والثقافات يدعو الجميع للتواصل للحوار والتعايش والتعاون».

ولفت إلى أن الوثيقة تحدثت عن الحقوق والحريات المشروعة، ودعت إلى سن التشريعات الرادعة لمروجي الكراهية والمحرضين على العنف والإرهاب والصدام الحضاري، كما حفظت للمرأة حقوقها. وتابع نور واحد: «ندرك نحن علماء الأمة الإسلامية من مظلتنا العالمية رابطة العالم الاسلامي التي أصبح لها قدم صدق مؤثر حول العالم، أن مسؤولية كبيرة تقع على عاتقنا، لا سيما فيما يتعلق بنشر الوعي في الوجدان الإسلامي، خصوصا لدى الشباب، لاسيما تعزيز المناعة الفكرية وتوعية العاطفة الدينية والنظر لعدد من الأمور وفق قواعد الشريعة ومقاصدها، وحسن التدبر في المآلات».

تقوية أواصر الأخوة تحمي الأمة من أعداء الإسلام

اعتبر رئيس مكتب شؤون حجاج العراق الشيخ الدكتور خالد أبا ذر العطية أن موسم حج هذا العام جاء في أعقاب اكتمال مشروع التوسعة الكبيرة للحرم المكي الشريف التي شهدت تطورا ملموسا ورقيا واضحا في أسلوب الإدارة ومستويات التنظيم والخدمة ومبادرات الرعاية الإنسانية التي قدمتها جميع الجهات المختصة والمعنية في حكومة المملكة، مستشهداً باكتمال مشروع تنظيم شؤون الحجاج عبر نظام المسار الإلكتروني الذي يكفل تأمين حزمة الخدمات اللازمة لكل حاج قبل إصدار تأشيرة دخوله إلى المملكة، الأمر الذي هيأ ظروف الإقامة والخدمة اللائقة لكل حاج.

وقال في كلمة رؤساء مكاتب الحجاج، إن أعظم مقاصد الإسلام ومن أهم غايات الحج ومنافعه هو الحفاظ على وحدة الأمة الإسلامية وتقوية أواصر الأخوة والمودة والتعاون بين أبناء شعوب المسلمين بمختلف مذاهبهم وأعراقهم وألوانهم وأوطانهم، ولا شك أن أمتنا الإسلامية اليوم في أشد الحاجة إلى تحقيق هذا الهدف السامي في ظل الهجمة الشرسة التي تتعرض لها من قبل أعداء الإسلام والمسلمين الذين يحاولون تفريق وحدتهم وزرع الفتنة والشقاق بينهم.

وبين العطية أن مكة المكرمة بمعناها الرسالي العظيم ومحوريتها في وعي الأمة الإسلامية، تعد بمثابة القطب الذي يستحث أرواح المسلمين ويستجمع شتات أمرهم مهما تفرقت بهم السبل وتنازعتهم الاختلافات، حكمة ربانية بالغة أن تجمعنا شعيرة الحج وذاك النداء الإبراهيمي المتجدد الذي يتردد صداه إلى قيام الساعة، وتتجسد فيه رسالة مكة، ليس بأثرها المادي المليوني وحسب، وإنما في معناها الرمزي وقيمتها المعنوية وهدفها الاستباقي والاستشرافي في حفظ وحدة المسلمين في مواجهة تصاعد الاستقطابات والصراعات بأبعادها الدولية وخلفياتها الفكرية والحضارية.