الناس في هذه الحياة قسمان: أشقياء، وسعداء، لا ثالث لهما، وما أظن إلا أن الشقاء والسعادة هما ثمرتان من ثمار عمل المرء في هذه الحياة، فمن كان شقيا فلا يلومن إلا نفسه، ومن كان سعيدا فليحمد الله ربه أن يسر له طريق السعادة.

لكن المتدبر لآيات الله تعالى في كتابه الكريم سيصل إلى ثلاثة مواقف لا يجتمع فيها الشقاء مع تمسك المرء بهذه المواقف.

فلا يجتمع الشقاء مع بر الوالدة. قال تعالى على لسان عيسى ابن مريم – عليه السلام –: «وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا».

ولا يجتمع الشقاء مع الدعاء. قال تعالى على لسان نبيه زكريا – عليه السلام –: «وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا».

ولا يجتمع الشقاء مع القرآن. قال تعالى لنبيه محمد – صلى الله عليه وسلم –: «مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ».

فإذا أردنا أن نخرج من دائرة الأشقياء علينا أن نكون كما كان هؤلاء، وأن نعيش حياة بعيدة عن أسباب الشقاء وموجباته.

فبر الوالدين – عموما – والوالدة على وجه الخصوص سبب مباشر في سعادة المرء في الدارين، الدنيا والآخرة، وأتحدى أن تجد فردا عاقا لأمه، ويحيا حياة سعيدة، حتى وإن تظاهر بذلك، صدقوني، إنه يعيش حالة صراع نفسي مرير، فلم تنفعه أمواله، ولم ينفعه أولاده، كي يحقق حالة التواؤم النفسي، والرضا الداخلي.

أما هؤلاء الذين يتسلحون بسلاح الدعاء في هذه الدنيا، فهنيئا لهم بالأمن والأمان والراحة والاستقرار، إذ إن الدعاء – ناهيك عما فيه من أمل – لأنك إنما تدعو إلها قادرا له ملك السموات والأرض، فهو علاج لقضايا القلق التي تصيب المرء في رحلة الحياة. جربوا كثرة الدعاء والتوجه إلى المولى القدير، لن تشعروا عندها بأي نوع من أنواع الشقاء التي يعاني منها هؤلاء الذين نسوا الله فنسيهم.

والصنف الثالث هم أصحاب القرآن، الذين يواظبون على تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، والتدبر في معانيه العظيمة، إنهم لا يشعرون بالشقاء على الإطلاق، فالتمسك بهذا الكتاب العظيم من موجبات السعادة في الدارين. إذا أزعجك أمر من أمور الدنيا فأسرع إلى كتاب الله تعالى وتمتع بتلاوته، ستجد نفسك في حالة من السكينة والطمأنينة والراحة.

أنت حر إذن في أن تكون في عداد الأشقياء أو السعداء، فإذا أردت الأولى، وما أظن أن عاقلا يريدها، فقد خسرت الدنيا والآخرة، وإن أردت الثانية فهنيئا لك.

سارع إلى بر والدتك، وأكثر من الدعاء، وعليك بالقرآن، فهذه هي سبل السعداء، والله أسأل أن نكون منهم.