كان مقالي السابق «هل أنت كافر» يسطر تساؤلا عن أهمية التفكير والتفكر في ما يملى علينا من أمور، ومدى أهمية العقل لتقدم الأمم والحفاظ على نسيجها، فالتنوير هو الجسر الذي عبرت به أوروبا إلى أرض السلام والطريق الذي عبر منه الفرد من «الوصاية الذاتية»... كان التنوير هو العملية التي تمكن الجمهور من خلالها من التخلص من العبودية الفكرية بعد قرون من الركود... ففكر الجمهور بحرية وتم التعامل معه وفقاً لكرامته.

ولكن لماذا تحدث الوصاية على الشعوب عبر التاريخ؟ وبرغم أني لا أتفق مع فكر (كونت) الكلي ولكن علمنا البحث العلمي أن ننتقي من العلوم والتاريخ ما نبني عليه من فكر... فللوصاية قرائي أسباب كثيرة أولها وأهمها كان الكسل! الكسل بأن نفكر.. نعم بكل بساطة اعتقد الفرد أن التفكير أو التفكر مرهق للعقل وتوسيع المعارف خطير... لتصبح الطاعة البسيطة أقل وطأة لعقولهم البسيطة. والسبب الثاني كان الجبن فاستكمل كسلهم... فيخشى العامة استخدامه لأنهم لم يكونوا مستعدين للمغامرة في المياه المجهولة، كانوا يخشون أن يكون هناك عدد قليل من السقوط في عملية تعلم المشي.

أما السبب الثالث الذي جادل به (كونت) أن القلة المختارة التي كانت أكثر ذكاءً وضعت نفسها في المقدمة من خلال حرمان عامة الناس من المعرفة والتعليم... وهكذا، استكملت النخبة المزعومة الجبن والخوف من عامة الناس بقمعهم وإعادتهم إلى «تسخير العربة التي تم ربطهم بها»... لقد فعلوا ذلك بإظهار الخير من المجتمع الحالي الذي كانوا فيه، وتضخيم المخاطر غير المروعة والمرهقة التي كانت موجودة في أماكن عقلانية مجهولة. السبب الأخير الذي أعطاه كونت للوصاية هو الرضا عن النفس والطاعة العمياء. كان الناس متعجرفين في أغلالهم من القنانة القديمة.. مثل «الماشية الداجنة»، أطاعوا دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تحدي المعيار أو الوصي لتخفيف معاناتهم.

كل من عاش معنا رحلتنا في الثلاثين سنة الماضية يفهم تماماً بشاعة الإحساس بـ«التكبيل» ويقدر تماماً السقف العالي الذي نعيشه اليوم... فأولى خطوات الخروج للتنوير هي الحرية، فحرية التعبير عن النفس بأمانة أمر أساسي للتنوير.

الدولة اليوم بقائد مستنير أوامره ورغباته تمثل غالبية الشعب ومصالحه، هي من فتحت الأبواب لطاقات الشباب للتفكير والإبداع فخرج لنا متخصصون في علوم الفضاء والأسلحة والعلوم من كلا الجنسين، فعندما يُسمح للفرد بالتعبير بحرية عن أفكاره وآرائه دون معاقبة، فإنه سيقدم أفكاراً دون خوف أو قيود سيبني من خلالها مجتمعا أكثر إبداعاً وإنتاجية والأهم أن يتعلم المواطن التعبير المسؤول عن وطنه ولوطنه.

* كاتبة سعودي