أصبح الإفساد والوقوع في المحظور أمرا شائعا في كثير من مجالسنا، وبدلا من «سوالف» الآباء والأجداد، تحول الكثيرون -إلا من رحم ربك- إلى أن يتخذ من سيرة الآخرين مجالا للهمز واللمز والتشهير، بل والكذب والافتراء، والبعض يرى في ذلك مادة للتفكه والتندر والسخرية، مع أن هؤلاء جميعا يقعون في المحظور، ويخالفون تلك القيم والأخلاق السامية التي غرسها وأرساها ديننا الحنيف، من خلال نصوص قرآنية كريمة، ونبوية شريفة، حاسمة قاطعة لا تقبل التأويل.

ولهؤلاء الخائضين في أعراض خلق الله، أسوق تلك السطور الرائعة للسلف الصالح، وموقفهم من هؤلاء النمامين، فقد جاء رجل إلى خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه- فقال له: إن فلانا شتمك، فقال: تلك صحيفته، فليملأها بما شاء.

وقال رجل لوهب بن منبه: إن فلانا شتمك، قال: أما وجد الشيطان رسولا غيرك.

وقال أحدهم لرجل: فلان شتمك، فقال: هو رماني بسهم ولم يصبني، فلماذا حملت السهم وغرسته في قلبي.

وجاء رجل إلى الشافعي -رحمه الله- فقال له: فلان يذكرك بسوء، فأجابه: إذا صدقت، فأنت نمام، وإذا كذبت، فأنت فاسق، فخجل وانصرف.

هكذا كان موقف السابقين ممن يسعون إلى إيغار الصدور، والوقيعة بين الناس، وممن يمشون بالنميمة، فيفسدون العلاقات الإنسانية، بل قد يؤدي سلوكهم المشين هذا إلى انفصال الزوج عن زوجته، وقطع الأرحام، وتوتر الحياة بأسرها، وهذا ينعكس على تماسك المجتمع بأسره.

البعض يقع في مثل هذه الموبقات تقربا إلى أصحاب النفوذ والمناصب، والبعض الآخر يقع فيها حسدا وحقدا وغلا من آخرين نجحوا في حياتهم، وحققوا ما فشل فيه هؤلاء، والبعض يأتي في هذا السلوك المشين تسلية ولهوا ولعبا، دون أن يفكر في العواقب الوخيمة لما يفعله.

كثيرون منا يقعون في ذلك، بقصد أو بغير قصد، دون أن يفكر فيما يقول ويفعل، ولا في نتائج تصرفاته وسلوكه، وهذا عند الله عظيم.

لكن اللافت فيما ذكرت من نماذج السلف الصالح، هو رد المستمعين للنمامين والساعين لإفساد العلاقات بين الناس، فهم لم يصمتوا تجاه ما سمعوه، ولم يضحكوا أو يشكروا النمامين على هذا الصنيع المؤسف، وإنما لقن كل منهم هذا الواشي درسا أخلاقيا رائعا، لعله يرتدع، ويعود إلى رشده.

فإياكم والنميمة، وإياكم والإيقاع بين الناس ولو مزاحا، والأهم من ذلك كل صد هؤلاء الذين يتطوعون بنقل الكلام أو افترائه، وعندها سيسود الحب والوئام، وسينتشر السلام بين أفراد المجتمع، والله المستعان.