إن من ينظر إلى من حوله من الناس، سواء في مجتمعه أو في أي مجتمع آخر شرقاً أو غرباً، سيجد البشر إلا من رحم ربي على ثلاثة أصناف؛ صنف يجري وراء المال والمال حتما تاركه، وصنف ثان يخاف على الرزق مع أن الله تعالى رازقه، وصنف ثالث يشغل نفسه ببناء الدور والقصور والقبر في النهاية مسكنه.

تلك هي اهتمامات غالبية الناس مهما تعددت أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم ومهما اختلفت مساكنهم وبلدانهم، فمن منا رحل عن هذه الدنيا وكلنا لا محالة راحل أخذ ماله -قل أو كثر- معه في قبره، يشقى المرء ويجمع المال طيلة حياته وكثيرون لا يعبأون أمن حلال أم حرام جمعوه، ثم يتركونه لورثتهم ينعمون به وهم يحاسبون عليه أمام رب العالمين.

أذكر أن أحد الصالحين مر على رجل يمسك بدينار في يده، فسأله لمن هذا الدينار؟ قال إنه لي فرد الرجل الصالح عليه قائلاً: إنه ليس لك حتى تنفقه، ثم أنشد قائلا:

أنت للمال إذا أمسكته فإذا أنفقته فالمال لك

أما أصحاب الصنف الثاني، فهم أولئك الذين يعيشون يومهم وليلتهم خائفين من ضياع رزق أو تأخيره، وقد يتنازلون عن كرامتهم خوفاً على هذا الرزق، مع أن الله تعالى قد منحنا وثيقة تأمين على الرزق، حين أخبرنا بقوله تعالى: «وفي السماء رزقكم وما توعدون» وبقوله تعالى: «إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين»، فأي خوف يمكن أن يتسرب إلى النفس المؤمنة المطمئنة وقد علمت أن لله خزائن السماوات والأرض، نعم قد يكون البشر سببا في رزق هذا أو ذاك، لكن المؤكد أن الرزق كله بيد الله تعالى وسبحانه ينزل بقدر ما يشاء.

فأما الفريق الثالث الذي يتباهى بما يملكه من عمائر شاهقة وقصور فاخرة، فبالله عليكم: هل رأيتم أحدا من هؤلاء قد دفن بعد موته في عمارته أو قصره؟

في القبور يتساوى أصحاب الخيام وأصحاب القصور، وتلك حقيقة تغيب عن كثير من الناس.

لا أقصد من كلماتي هذه أن يزهد الناس في المال، أو يتقاعسوا عن طلب الرزق، أو لا يسعون لتطوير حياتهم، وإنما فقط أحذر نفسي وغيري من أن تلهينا مباهج الدنيا وزينتها عن حقائق ثابتة راسخة لا ندركها إلا عندما نلقى الله تعالى ونقف بين يديه للحساب.

فاللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، وبارك لنا في أموالنا وأرزاقنا وديارنا. اللهم آمين.