«عكاظ» (مكة المكرمة، المدينة المنورة)
أكد إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور سعود الشريم أن الله ما شرع لأمته حج بيته الحرام إلا لإقرار التوحيد وإبطال التنديد، فإنه واحد لا شريك له، ومعبود لا ند له.

وأضاف، إن أعظم مقصد من مقاصد الحج تحقيق التوحيد لله دون سواه، فما اختلاف الألسن والأنساب والألوان والانتماءات التي تدخل في نسك الحج والعمرة إلا شعار للتوجه إلى رب واحد لا شريك له، ومعبود واحد لا معبود سواه، وإنه لم يلهج الحجاج بنسك ولا ذكر أفضل ولا أعظم من التلبية بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك»، إنها تلبية قاضية على كل هتاف لا يمت للتوحيد بصلة، فلا هتاف لقومية ولا لفخر ولا لجماعة، إنه هتاف توحيد وإجلال وإقرار بالمنعم نعمة الإسلام والتوحيد وحمده على هذه النعمة. وبين الشيخ الشريم أن في التلبية تجريد التوحيد لله وقصر شواغل القلب على النسك وتوابعه دون مزاحمته بما ليس منه من شعارات جاهلية أو عصبية أو سياسية تخرج بالنسك عن مساره وتقتل روحانيته، وقال: إن نبينا حينما حج حجة الوداع أراد أن يرسخ في أذهان أمته صيغة التلبية وما تحمله من معاني الإخبات وتحقيق العبودية لخالقهم، وليقضي بذلك على موروثات الجاهلية الأولى بما تحمله من صور التذلل لغير الله فاستبدل التلبية الشرعية بتلبية الجاهلية بمختلف صيغها وأشكالها؛ حيث كان لكل قبيلة تلبية تخصها، فقد كان للعزى تلبية، وللات تلبية، ولإساف تلبية، ولمناة تلبية، ولذي الخلصة تلبية، وقد كان لقبيلة عك تلبية مشهورة، حيث كانوا يحجون كل عام فيرسلون عبدين أسودين يطوفان وينشدان «نحن غرابا عك»، فيردد الناس من ورائهما «عك إليك عانية رجالها اليمانية كيما تحج الثانية».

ولفت إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبطل كل تلبيات الجاهلية لتبقى تلبية التوحيد مدوية على مر عصور الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فهي صبغة الله (ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون)، ومن باب تأكيد النبي على شعيرة التوحيد هذه سن رفع الأصواتِ بها، لتطمس تلبية التوحيد تلبية المشركين، كما جاء عند مسلم في صحيحه أن المشركين كانوا يلبون ويقولون في تلبيتهم «لبَّيكَ لا شريكَ لك إلا شَريكًا هو لك، تملِكُه وما مَلَك» تعالى الله عما يقولون عُلُوًّا كبيرًا، إنها تلبية مليئة بالضلال والشرك، ومدعاة للاستخفاف بعقول مردديها مع أنهم ذوو دهاء وعقول راجحة. وأوضح إمام وخطيب المسجد الحرام أن الهداية نور من الله وتوفيق وتساءل كم من ذكي حرم إياها وكم من بليد لامست شغاف قلبه، فهذا رسول الله وهو أعقل الناس وأدهى الناس وأحكم الناس لم يكن يدري ما الكتاب ولا الإيمان لولا هداية الله له كما قال عنه ربه (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا) فالتلبية بالتوحيد هداية من الله لأمة الإسلام، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الحج أفضل؟ قال: «العج والثج».

ودعا فضيلته حجاج بيت الله الحرام إلى إقامة حق مجاورة بيت الله الحرام من التأدب والرفق والسكينة والإخبات، وقال: إنكم ما قطعتم المفاوز لتفرطوا، ولا شددتم الرحال لتذنبوا، فإنكم في بيت حرام وبلد حرام وشهر حرام، فأروا الله من أنفسكم عبودية حقة، وطاعة محضة، واعزموا معاقد الوصول إلى الإخلاص والاتباع لتفوزوا بالقبول، فإن طاعة بلا اتباع هباء، واتباعا بلا إخلاص سدى.

وفي المدينة المنورة، أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ الدكتور صلاح بن محمد البدير أن مكة المكرمة والمدينة المنورة البلدان الزاهران الطاهران هما أشرف بلاد الله تعالى على الإطلاق وأجل بقاع الأرض بالاتفاق فمكة مهبط الوحي ومنبع الدين والبلد الأمين وقبلة المسلمين ومهوى أفئدة المؤمنين وأم القرى التي ليس لها في البلدان مثيل ولا في الأوطان عديل، وأما المدينة فهي حبيبة المحبوب صلى الله عليه وسلم داره وقراره وأرض الهجرة الأولى وموطن السنة وقلعة الإيمان وحصنه الحصين ومأوى الإسلام والمسلمين ما نزل الوحي إلا في رباهما ولا أشرقت شمس الرسالة إلا على ثراهما وما عاش النبي صلى الله عليه وسلم إلا في ذراهما.

وأكد في خطبة الجمعة أنه يجب على الساكنين والقاطنين والمقيمين في مكة والمدينة وسائر الحجاج والمعتمرين والزائرين إجلال هذه البقاع الطاهرة وتعظيمها وصيانتها وحمايتها وحفظها وتنزيهها عن المعاصي والمنكرات والموبقات والسيئة في الحرم لا تضاعف من جهة العدد ولكنها أعظم جرما وأشد إثماً من السيئة في غيره.

وأوصى إمام وخطيب المسجد النبوي الحجاج والمعتمرين والزوار باغتنام مدة إقامتهم في مكة والمدينة بالاجتهاد في فعل الصالحات وتكثير الحسنات، والإكثار من التوبة والاستغفار وأظهروا التذلل والانكسار والندامة والافتقار والحاجة والاضطرار فإنكم في مساقط الرحمة ومواطن القبول ومظنات الإجابة والمغفرة والعتق من النار.