فاصل بسيط كالشعرة يفصل بين ما يُطلق عليه نص النظام وبين روحه؛ أي ما بين صياغاته القانونية وبين المغزى من تطبيقه، فالأنظمة الحكومية وُضعت لأسباب عديدة، من أهمها تنظيم الحياة العامة وفقاً لأطر خاصة من خلال إجراءات مرحلية معينة وعبر خطوات متدرجة، وتتضمن عملية التنظيم التوازن بين تحقيق الهدف المرجو من وضع النظام وبين حماية المواطنين والحفاظ على حقوقهم كاملة دونما انتقاص، مع الأخذ في الاعتبار -بطبيعة الحال- مكافحة الفساد وتنظيم الأمور المالية والإدارية والتشغيلية وفق منظومة محددة سلفاً، ومتسقة مع الأهداف الإستراتيجية الكلية للدولة.

وقد وُضعت أنظمة الخدمة المدنية بهدف تنظيم إجراءات تعيين وترقية وتقاعد الموظفين الحكوميين؛ بمعنى آخر وُضعت لتنظيم كل ما يتعلق بالحياة العملية للموظف الحكومي، وهذه الأنظمة ليست أكثر من مجرد نصوص قانونية، تم الاجتهاد في صياغتها -وعلى نحو منطقي- لحماية حقوق الموظفين وضمان حصولهم عليها كاملة، غير أنه عند تطبيق بعض هذه الأنظمة قد تتحول -في حال تفسيرها تفسيراً مغايراً- إلى أداة تصب ضد مصلحة الموظف أو حتى تهدر بعضاً من حقوقه، وذلك على الرغم من أن الهدف من النص كان في الأساس معداً لمصلحته، وذلك بسبب التمسك بتطبيق النص القانوني حرفياً، ودون النظر في المقاصد المتعلقة به.

هذا التفسير الخاطئ لبعض الأنظمة تكمن خلفه أسباب كثيرة، منها خوف المسؤول من تحمل المسؤولية النابعة عن اجتهاده في تفسير النص القانوني أو اللائحة -خاصة فيما يتعلق باللوائح المالية- ومنها ما يتعلق بوقوعه في دائرة البيروقراطية والروتين القاتل، فلا يجد دافعاً للنظر في المغزى الأصلي من وضع النص، ومنها ما يعود للطبيعة الشخصية للموظف المسؤول نفسه، والذي قد يكون شخصاً متصلب الرأي، ضيق الأفق، لا يراعي المتغيرات السياقية للنصوص القانونية، ولا يبالي بالمقاصد العامة من وضع التشريعات واللوائح والقوانين.

على سبيل المثال، وفيما يتعلق بأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، نجد أن هناك ثلاث مراتب علمية تنظم حقوق عضو هيئة التدريس، وهي أستاذ مساعد، أستاذ مشارك، ثم أستاذ؛ حيث يتم تعيين عضو هيئة التدريس على درجة أستاذ مساعد بعد حصوله على درجة الدكتوراه، ثم يتدرج إلى أستاذ مشارك فأستاذ، وذلك عقب قيامه بإجراء العديد من الأبحاث المطلوبة للحصول على كل درجة علمية، وبعد موافقة المجالس العلمية في الجامعات والتأكد من استيفائه الشروط المطلوبة للترقية، وعند تقاعد عضو هيئة التدريس -ببلوغه السن القانونية للتقاعد- قد ترغب بعض الجامعات في الاستفادة من خبراته وتجاربه المتراكمة، ويسمح النظام المطبق حالياً بالتعاقد معه «على نفس الدرجة العلمية التي تقاعد بها».

وفقاً للنظام، عندما يتقاعد عضو هيئة تدريس على درجة أستاذ، يتم التعاقد معه على نفس الدرجة «أستاذ»، وليس على درجة أقل منها مثل أستاذ مشارك أو مساعد، غير أن هناك للأسف ثغرة خفية أضرت ببعض أعضاء هيئة التدريس، نتيجة التفسير الخاطئ للنصوص القانونية المعنية بتنظيم هذا الشأن، وهو أن بعض أعضاء هيئة التدريس تقاعدوا على درجة ما (أستاذ مساعد أو مشارك مثلاً) وتم التعاقد معهم على تلك الدرجة، وخلال فترة «تعاقدهم» تمت ترقيتهم أكاديمياً من قبل اللجان المختصة إلى المرتبة الأعلى، ومع ذلك لا يتم تعديل وضعهم الوظيفي ويتم التمسك حرفياً باللائحة المنظمة للتعاقد، حيث يجري التعاقد معهم على درجتهم السابقة التي تقاعدوا عندها.

تتمسك الجامعات بالنص القانوني دون مراعاة لتعديل الوضع الوظيفي للدرجة العلمية التي يحملها عضو هيئة التدريس، مما يترتب عليه ظلمه وهضم حقوقه، وذلك بسبب ثغرة في اللائحة القانونية، قد تتطلب إضافة بعض البنود اللاحقة لها، أو تعديلها أو إعادة النظر في صياغتها، ومن الملاحظ هنا أن النص القانوني الذي صيغ بهدف حماية حق عضو هيئة التدريس ومنع الافتئات عليه، انقلب على نحو مؤسف لأداة لظلمه وبخس حقوقه المشروعة، وتصحيح الأمر لا يحتاج إلى تشكيل لجان رئيسية وفرعية من وزارتي التعليم والخدمة المدنية للنظر في صحة أو خطأ هذا التعديل، فكل ما يحتاجه الأمر هو إصدار قرار واضح بتعديل اللائحة بالصورة القانونية الملائمة، والتي تقضي بأن يتم التعاقد مع عضو هيئة التدريس طبقاً لآخر درجة علمية يحملها، وليس طبقاً لآخر درجة علمية عند تقاعده، وبذلك يتم تطبيق نص القانون وروحه في الوقت نفسه، وعلى نحو يبسط من تعقد الإجراءات الروتينية، ويحمي حقوق عضو هيئة التدريس ويحافظ عليها.

* كاتب سعودي