كثيرون لا يدركون أن أعمارنا وآجالنا ليست سوى تلك الثواني والدقائق واللحظات التي نقضيها فيما يفيد ولا يفيد، كما ينسون تحذير الرسول الكريم لنا عندما أخبرنا بسؤالنا عن تلك الأعمار والأوقات، فيم قضيناها؟!

أستدعي ذلك التوجيه النبوي الشريف وأنا اقرأ قصة طالب كان يدرس في سويسرا، حيث يستأجر غرفة عند امرأة مسنة عمرها سبعة وستون عاماً، وكانت - قبل تقاعدها - تعمل مدرسةً، وقد لاحظ أنها تذهب مرتين أسبوعياً للعمل في إحدى دور المسنين، مع أنها ليست في حاجة للمال.

دفعه الفضول لسؤالها عن سبب عملها، فأجابته بأنها لا تعمل من أجل كسب المال، وإنما تعمل لتدخر الوقت، وأنها تودع في حسابها وقتاً في بنك توفير الوقت، أو «بنك الزمن»، وأنها بعملها هذا تدخر زمناً في حسابها كي تتمكن من استعادته عندما تحتاج لمن يخدمها عند كبرها، أو إذا أصابها عارض واحتاجت لمن يساعدها.

اندهش الطالب لما سمع، وسألها مزيداً من المعلومات عن هذا البنك العجيب، فأخبرته بأن الحكومة السويسرية قد أنشأت هذا البنك كصورة من صور التكافل الاجتماعي بين الناس، حيث يمكن لأي راغب في العمل التطوعي الاشتراك فيه، وفتح حساب زمن، بحيث يحسب له الوقت الذي يقضيه في الخدمة الاجتماعية التطوعية، وبخاصة في خدمة المسنين والمرضى الذين لا عائل أو راعي لهم.

ويشترط في المتطوع المشترك في البنك أن يكون سليما وقادرا على العطاء، ولديه مهارات التواصل الاجتماعي مع الآخرين، وقدرة على التحمل، وكذلك يرغب في تقديم الخدمة بإخلاص ونفس راضية.

عندما يحتاج الشخص المشترك في بنك الزمن مساعدة ما، يرسل له البنك شخصاً متطوعاً من المشتركين في البنك يخدمه، ويخصم الوقت من مدخرات الوقت في حسابه، ويقدم المتطوع الخدمات للمحتاج، في المستشفى أو في البيت، كأن يرافقه للتسوق أو للتمشي أو لمساعدته في تنظيف منزله.

وصادف في أحد الأيام أن احتاجت تلك المرأة مساعدة عندما كسر كاحلها وهي تنظف نافذتها، واضطرت للبقاء في السرير لعدة أيام.

أراد الطالب مساعدتها، لكنها أوضحت له أنها لا تحتاج لمساعدته، إذ طلبت من البنك السحب من رصيد وقتها، وأنهم سيرسلون إليها من يساعدها، وجاءت بالفعل امرأة إلى البيت وراحت ترعاها وتسامرها وترافقها وتقضي لها حاجياتها من السوق، ثم أرسل إليها البنك ممرضة متطوعة - فيما بعد - عندما احتاجت لذلك.

تعافت المرأة من الكسر، وسرعان ما عادت إلى سيرتها الأولى، حيث تعمل متطوعة مرتين أسبوعياً لتعويض ما سحبته من رصيد مدخراتها من الوقت في هذا البنك، هكذا يعمل بنك الزمن.

وجدير بالذكر أن الشعب السويسري يدعم هذا البنك لما لمسه من منافع يحققها للمجتمع كافة، إذ لا يضمن أحد غوائل الزمن، ونوائب الدهر.

الفكرة رائعة، وقابلة للتفعيل والتطبيق في سائر المجتمعات، ونحن أولى بها، إذ يحثنا ديننا وإسلامنا على التكافل الاجتماعي، فالقرآن الكريم يرسخ تلك الفكرة في قوله تعالى: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ»، كما يحث عليها الهدي النبوي: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

ونحن - كأفراد - ما شاء الله، لدينا من الوقت ما نقتله دون رحمة ورأفة أمام الفيس بوك والواتس آب وأخواتها.

الفكرة معروضة على من بيدهم الأمر، غير أني أذكر الجميع بقول الشاعر:

دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثواني.

فاللهم ألهمنا الصواب لنحسن استغلال أوقاتنا وقضاء أعمارنا.