يوشك شهر الخير على الرحيل وقد طبع في النفوس الجميل من الصفات ومستحسن الأخلاق وحلاوة الإيمان بالعبادات والطاعات وتزكية النفس بالتقوى، وحقا يغير شهر الصوم الكثير في النفوس وتعمر القلوب ويسود حُسن الطبائع وكريم الأخلاق من الصبر والتسامح والبذل، وهكذا تبدو الحياة مختلفة، والتمني أن يكون العام كله رمضان، حتى الأطفال يدركون هذا الصفاء والإحساس الأجمل بالحياة في جوهرها ومظهرها بما يعيشونه يوميا مع أسرهم من أجواء وعادات أفضل حتى في المجتمع، فيدركون معنى الصوم وروحانياته، مثلما يجتهد الكبار في العبادة وصالح الأعمال راجين من الله تعالى القبول والفوز بالرحمة والمغفرة.

هذه المنح الإلهية في شهر الصيام تستوجب العزيمة لما بعده من الشهور في الثبات والحرص على الأخلاق ودوام العهد مع الله، بالتقوى والطاعات والإحسان ومجاهدة النفس وهو جهاد عظيم في كل لحظة وليس فقط في رمضان. والمجتمعات اليوم بحاجة إلى تعظيم الاستفادة من هذه المدرسة الإيمانية في كل الحياة، فرب رمضان رب كل الشهور، مما يستوجب استمرار هذه الروح من الاستقامة وتجنب الآثام من الشحناء والبغضاء والغيبة والنميمة والاحتيال، والمداومة على العبادات والطاعات والمحبة والتواصل وصلة الأرحام، واجتماع كل أسرة على ذلك بعد شهر رمضان، لتكون حياتها أسعد حالا.

وها هو عيد الفطر على الأبواب مناسبة مباركة لإشاعة الفرح وكل جميل بالتواصل والعفو والصبر والتراحم والتواد، وبهذه الأخلاق تتزين طبائع الإنسان بحفظ الجوارح وتهذيب النفس وعدم الإساءة للغير وكل هذه الفضائل باب للمثوبة فلا يهدرها غافل عن الحساب بأمراض القلوب وقسوتها، وحتى بالإفراط في المباح، فالإسراف في المطعم والمشرب والملبس وغيرها، يورث الركون عن العمل ويشغل الإنسان عن الطاعات والصالحات، ومن شكر النعم الحفاظ عليها بالاعتدال في الحياة وأن تكون سبيلا إلى صلاح الإنسان في الدنيا والآخرة.

محاسبة النفس أمر مهم لاستقامتها باجتهاد المسلم في الطاعات حيث تعلو الفضيلة وتختفي الرذائل أو تكاد، ونرى في رمضان كيف يبدو الناس أكثر سكينة والتزاما، وحتى في العالم الافتراضي تكاد تتوارى الآثام من فحش الأفعال والبغضاء، فلماذا يعود البعض إلى ما كان عليه كمن نقضت غزلها، والمسلم الحق لا يمل من الطاعات ويسارع إلى المحاسن قدر استطاعته والاجتهاد في الاستقامة مظهرا ومخبرا لقوله تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون).

هنا الأسرة مفتاح كل شيء جميل، فهل تخطط لاستمرار فضائل الشهر الكريم في النفوس وغرس جميل الصفات في الأبناء لتنشئتهم على الحميد من القول والأفعال دون تركهم لمؤثرات تهدم الخُلق التي يحث عليها ديننا الحنيف وقيم مجتمعنا التي درجت عليها الأجيال، فالتحدي الأخلاقي كبير في هذا العصر ويستدعي المعاني التربوية على القيم والالتزام بها وبالقوانين والأنظمة التي تحافظ على الحق العام والخاص وحق الطريق وخصوصيات البشر، وآداب التعامل في الأماكن العامة بأخلاق الذوق العام وهذه القيم تتأصل بالممارسة الحياتية كثقافة تبدأ من عقل الإنسان وفهمه الصحيح واحترام حقوق الغير، ولا يجب الإفراط أو التفريط في أمور الحياة إنما الاعتدال والرشد، وتلك مسؤولية الجميع بتعظيم كل ما هو جميل وحميد من الصفات والأخلاق وإثراء الحياة والجد في العمل وروح الترابط وحق الوطن عظيم في كل ذلك.. وكل عام وأنتم بخير.

* كاتب سعودي