قبيل فترة قليلة من غزو صدام لدولة الكويت الشقيقة، فاجأ الرئيس العراقي وقتئذٍ الملك فهد -رحمه الله- خلال زيارته للعراق بعرض يتضمن توقيع معاهدة مشتركة بعدم الاعتداء، يكون طرفاها المملكة والعراق، ورغم غموض سبب توقيع هذه المعاهدة وقتذاك، إلا أن الملك افترض حسن نية صدام حسين ورحب بالعرض العراقي وتم توقيع المعاهدة، وبعد مضي فترة وجيزة فاجأ صدام العالم كله بغزوه للكويت واحتلال أراضيه بالقوة الغاشمة، في أغرب محاولة خرقاء لرد جميل دول الخليج عليه، ودعمهم له في حربه ضد إيران المعروفة بحرب الخليج الأولى.

بطبيعة الحال أعلنت المملكة وقوفها قلباً وقالباً مع الشعب والحكومة الكويتية، وأعلن الملك فهد صراحة ودونما أي تردد أن الكويت لابد أن تعود لأهلها ولحكومتها الشرعية بكافة الوسائل سواء كانت سلماً أو حرباً، اتضح للعالم حينذاك سبب عرض صدام على الملك فهد توقيع معاهدة بعدم الاعتداء؛ حيث تصور صدام أن توقيع مثل هذه المعاهدة سيحول دون دعم المملكة للكويت وسينتهي الأمر بتحييدها، كما أنه سيمنعها من دحر القوات العراقية لتحرير الكويت انطلاقاً من الأراضي السعودية، غير أن ذلك الشرك انقلب على صدام حسين نفسه لاحقاً، حيث تبين للرأي العام العالمي أن غزوه للكويت كان متعمداً ومبيت النية بل ومخططاً له من فترة طويلة، وأنه كان عازماً على البدء بالاعتداء الذي اكتملت جميع أركان جريمته، حتى تلك (المعاهدة - الشرك) نفسها نقضها صدام نفسه بتعريض أمن المملكة للخطر، عقب حشده لقواته على حدودها؛ فالمعاهدة تفترض عدم تعرض أحد طرفيها للطرف الآخر بأي صورة.

لم يتم توضيح بنود تلك المعاهدة ولا تفاصيلها، ولكن قبل الاستطراد قليلاً في توضيح ذلك الأمر، أود أن أشير لنقطة مهمة، وهى أن اتفاقية عدم الاعتداء هي اتفاقية دولية يتم تحديد شروطها طبقاً للسياق الذي وُقِّعت فيه، غير أن لها معالم وسمات عامة، وأن أهم معالمها يقتضي عدم تهديد طرف للطرف الآخر سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما تتم ترجمته بعدم الدخول في حروب مباشرة أو بالوكالة، كما تقتضي أهم معالمها اتساق القول والفعل معاً، فلا مجال للتآمر أو التجسس أو تصعيد الحروب السرية أو الخفية، كما أنه من أهم معالمها عدم تدخل طرف في أي شؤون داخلية للطرف الآخر، أو محاولة تعكير صفو مجتمعه، أو اختراقه من خلال الخلايا اليقظة أو النائمة، كما يعني بصورة رئيسية عدم مهاجمته إعلامياً أو من خلال الجيوش الإلكترونية عبر وسائل التواصل الاجتماعي على اختلافها.

ربما يعيد التاريخ نفسه هذه الأيام، من خلال تصريح الخارجية الإيرانية باستعداد طهران لتوقيع معاهدة عدم اعتداء بينها وبين دول الخليج، مدعية أن هدف ذلك هو حماية أمن منطقة الخليج ودعم استقراره! لكن ما نلاحظه هنا أن معاهدة عدم الاعتداء تتناقض على نحو جوهري مع طبيعة وعقيدة النظام الإيراني، فالاختلافات جوهرية وليست عرضية، فالنظام الإيراني في جوهره يسعى للتمدد، ومن أهدافه الرئيسية الاستحواذ بكافة الطرق على المنطقة الإقليمية بكافة الوسائل الممكنة وغير الممكنة، وأفكار الاستحواذ والتمدد هذه ينتج عنها الكثير من النتائج التي تتعارض كلية مع الخطوط العريضة لمعاهدات عدم الاعتداء.

وسط حنق وغضب دولي وإقليمي عارم ضدها وناقم على تصرفاتها، ووسط احتقان شعبي متنامٍ داخل إيران يتصاعد ضد النظام يوماً بعد يوم، برزت فكرة معاهدة عدم الاعتداء، والتي كلما قرأت تصريحات المسؤولين الإيرانيين بشأنها وبشأن تصاعد حدة الأزمة بين إيران وبين المجتمع الدولي، شعرت أنني أمام فرقة من المحامين المتمرسين من المتمتعين ببلاغة اللسان وحلاوته، ممن يسعون بكافة الطرق لاستغلال وتوظيف جميع الثغرات والحيل القانونية لتفكيك القضية وتمييع المسؤولية، من أجل إنقاذ موكلهم من حبل المشنقة، في قضية يعرفون مقدمًا أنها خاسرة.

ترى هل هي رغبة صادقة من طهران أم أنها مجرد هدنة وانحناء تكتيكي أمام العاصفة حتى تمر، وليكن معلوماً للجميع أن معاهدة عدم الاعتداء ليست مجرد حبر على ورق، بل هي أفعال وسلوكيات تتبدى من خلال مواقف محددة وواضحة، فهل يمكن للنظام الإيراني التوقف عن التدخل في شؤون الغير، هل يمكنه التوقف عن ممارسة الحرب بالوكالة في بعض دول المنطقة كسورية واليمن ولبنان، هل يمكنه التوقف عن الحشد والتعبئة الإعلامية ضد دول الخليج العربي، هل من الممكن أن تتوقف طهران عن إيواء المعارضين لبعض دول الخليج ودعمهم، هل يمكنها الامتثال للأعراف والاتفاقيات الدولية فيما يتعلق ببرنامجها النووي؟ وأخيراً وليس آخراً.. هل يمكنها التخلي عن أحلام التوسع والتمدد خارج حدودها؟؟ نقول لإيران هل تجنحون للسلم فعلاً؟ تذكروا قول الله تعالى (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين).

* كاتب سعودي