من أعظم وأجل اللحظات التي أعيشها في هذا الشهر المبارك، تلك اللحظات التي أشاهد فيها الحرمين الشريفين وقد امتلأت ساحتاهما، بحيث لا يجد المرء موطئ قدم.

نعم، لقد بذلت حكومة بلادنا من الملك عبدالعزيز، رحمه الله، حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان، يحفظه الله، كل الطاقات من أجل راحة الزوار والمعتمرين، والله أسأل أن يجعل ذلك كله في موازين حسناتهم.

لكنني تأملت ذلك المعمار الرائع لكل من الحرمين، وسألت نفسي: ترى من ذلك العبقري الذي صمم تلك التوسعات، وأضاف بعبقريته إلى روحانية المكانين المقدسين بعدا آخر يتمثل في تلك اللوحات الفنية الرائعة لكل من الحرم المكي والحرم المدني؟!

بحثت في الأمر، فوجدت أن جنديا مجهولا لا يعرفه أهل الحرمين ولا زوارهما قد صمم وأشرف على تصميم التوسعات، بل وعلى إنشاء تلك المآذن الشامخة في الحرم النبوي الشريف. إنه المهندس المصري الدكتور محمد كمال إسماعيل – رحمه الله – الذي خطط وصمم وأشرف على أكبر عملية توسعة للحرمين الشريفين خلال أربعة عشر قرنا. هذا المهندس العبقري، عاصر جميع الملوك، منذ مؤسسها الملك عبدالعزيز – رحمه الله – وحتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان ولم يفارق الحرمين لمدة أربعين عاما. تزوج هذا الرجل في الرابعة والأربعين من عمره وأنجب ابنا واحدا، ثم توفيت زوجته، وعاش وحيدا متفرغا للعبادة، حتى وافته المنية عن عمر تجاوز المائة عام.

وثمة مفاجأتان في حياة هذا الرجل: الأولى أنه رفض أخذ الملايين مقابل عمله هذا، رغم محاولات الملك فهد – رحمه الله – والقائمين على إعمار الحرمين.

أما المفاجأة الثانية، فيقول وهي على لسانه (كانت لي قصة رائعة مع رخام الحرم، حيث إنه أراد وضع رخام في أرضية الحرم للطائفين ورخام مخصوص يمتص الحرارة تماما.. كان هذا الرخام موجودا في جبل صغير باليونان، ذهب لليونان وتعاقد على شراء الكمية الكافية للحرم وكانت نصف الكمية الموجودة تماما.. تعاقد وعاد وجاء الرخام الأبيض وتم فعلا وضع الرخام في كل أرضية الحرم المكي.. تمر السنوات وبعد خمسة عشر عاما تطلب الحكومة السعودية منه وضع نفس نوع الرخام في الحرم النبوي بالمدينة. يقول المهندس محمد كمال عندما طلب مني مكتب الملك تغطية الحرم النبوي خفت جدا فلا يوجد على الأرض برحابتها من هذا النوع من الرخام إلا في منطقة صغيرة باليونان وأنا اشتريت نصف الكمية وهي كمية بسيطة جدا.. قال ذهبت لنفس الشركة باليونان وطلبت مقابلة رئيس مجلس إدارتها وسألته عن الكمية المتبقية.. فقال لي لقد تم بيعها بعدك مباشرة.. يقول حزنت كما لم أحزن في حياتي حتى أني لم أشرب قهوتي وغادرت المكتب وحجزت على طيارة اليوم التالي للعودة، عندما خرجت من مكتب رئيس الشركة وجدت السكرتيرة فسألتها ولا أعلم لماذا.. من اشترى الكمية المتبقية؟ قالت لي هذا أمر مر عليه سنوات طويلة ويصعب الرجوع للمشتري.. قلت لها ما زال أمامي يوم في اليونان أرجوكِ ابحثي وهذا رقم تليفون فندقي.. تركت الرقم وذهبت وأنا حزين.. يقول بعدما خرجت سألت نفسي.. لماذا تريد معرفة من اشترى؟ يقول المهندس العبقري قلت لنفسي لعل الله يحدث أمرا.. في اليوم التالي وقبل ساعات قليلة من ذهابي للمطار وجدت السكرتيرة تتصل بي، وتقول تعال إلى الشركة فعندنا عنوان المشتري.. ذهبت متباطئا متسائلا ماذا أفعل بعنوان من اشترى.. كان عندي بعض الساعات المتبقية على السفر فذهبت مرة أخرى للشركة وقابلت السكرتيرة فأعطتني عنوان الشركة التي اشترت الرخام.. يقول الدكتور المهندس خفق قلبي بشدة عندما وجدت المشتري شركة سعودية.. طرت مباشرة إلى السعودية ثم من المطار إلى الشركة التي اشترت الرخام ودخلت على رئيس مجلس إدارتها وسألته ماذا فعل بالرخام الذي اشتراه منذ سنوات من اليونان.. قال لا أذكر.. اتصل بالمخازن وسألهم عن الرخام الأبيض اليوناني فقالوا له... كل الكمية موجودة كما هي.. يقول المهندس محمد كمال بكيت كالطفل وسألني صاحب الشركة لماذا تبكي.. حكيت له القصة كاملة وقلت له هنا شيك على بياض اكتب المبلغ الذي تريده.. قال والله الذي لا إله إلا هو صاحب الشركة عندما علم أن الرخام للحرم النبوي قال لن أخذ درهما واحدا، الرخام كله في سبيل الله وإنما أنساني الله الرخام وجعلني أشتريه ليكون هنا لهذه المهمة).

تلك من نفحات الحرمين الشريفين، أن قيض الله تعالى لهما هذا المهندس العبقري، كما جعل صاحب الرخام ينسى تلك الكمية، حتى شاء الله تعالى لها أن تستقر في أرضيات الحرم النبوي الشريف.

أذكر تلك الوقائع لندعو بالمغفرة والرحمة لملوكنا الميت منهم ولهذا المهندس العبقري، ولا ننسى الدعاء لمن تبرع بالرخام، وبطول العمر والصحة والعافية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده، فاللهم تقبل منهم، واغفر لهم، واجعل كل ذلك في ميزان حسناتهم، اللهم آمين.