جمعتني رحلة عمل بأحد الزملاء، في الطائرة أخذ يكيل الشتائم لشركة الطيران الوطنية لأن وقت انتظار الإقلاع في المدرج طال أكثر من اللازم، وعبثا حاولت توضيح أن لديه خلطا في مسؤوليات قطاعات الطيران، فحركة الطائرات وأذونات إقلاعها يخص برج المراقبة الجوية وليس شركات الطيران، لكن الرجل كان مبرمجا!

عند الوصول لجهة وصولنا الأوروبية لم يُظهر إنزعاجا كثيرا من الانتظار الطويل لإنهاء إجراءات الوصول ولا تجهم رجل الجوازات ولا من تأخر استلام الحقائب، وكان يكرر على مسامعي عند إشارتي لأي سلبية: «يا غريب كن أديب»!

خلال الأيام الثلاثة للصحبة كان مثاليا تماما في احترام أنظمة البلد، فلم يدخن سيجارة في الأماكن غير المخصصة للتدخين، ولم يرم ورقة في غير سلة المهملات، ولم يجد في ذلك البلد تقصيرا إلا والتمس له عذرا، ولا تصرفا سلبيا إلا وربطه بالفردية التي لا تعم!

وفي رحلة العودة إلى الوطن عاد لسلبيته بمجرد دخولنا الأجواء المحلية، كما لو أن هذه المشاعر السلبية كانت الزي الوطني الذي يرتديه فور عودته، فعينه الناقدة ترصدت لإجراءات الجوازات والجمارك واستلام الحقائب كما لو أنها رادار سرعة ينتظر أي هفوة سائق!

فور الخروج من بوابة صالة المطار، أشعل سيجارته بانتظار وصول السيارة التي ستقله إلى منزله، وبدأ يسمعني ما رصده من سلبيات منذ أن وطأت أقدامه أرض الوطن، رغم أنها لا تختلف عن تلك التي واجهناها في سفرنا والتمس لها العذر تلو العذر، فقلت له مازحا رازحا: «يا قريب كن أديب»، وودعته متجها إلى سيارتي!

لا عيب في ممارسة النقد الذاتي، فالنقد من وسائل الإصلاح وأمارسه من خلال مقالاتي يوميا، لكن العيب أن يكون نقدا مأسورا بعقدة الخارج، لا يرى إلا بعين واحدة، ولا ينطق إلا بلهجة واحدة!