مع تصاعد وتيرة الأحداث الأخيرة التي اندلعت بين طهران وبين المجتمع الدولي، وبينها وبين الولايات المتحدة على وجه الخصوص، اختلطت الكثير من المفاهيم والمدلولات حول طبيعة الأزمة، وهل هي أزمة تاريخية أم وليدة اللحظة، بداية علينا أن نوضح أن الأزمة الحالية ليست وليدة اللحظة كما يحاول أن يروج البعض، فالعلاقة بين السعودية وبين إيران متوترة وفي حالة اضطراب مستمر منذ مجيء الملالي للحكم في أواخر سبعينات القرن الماضي، وكذلك الأمر نفسه بين طهران وبين مختلف الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

استهل الخميني حكمه باختطاف واحتجاز عدد من المواطنين الأمريكيين كنوع من أنواع لي ذراع إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر ومن بعده ريجان، أراد الخميني اختبار الإدارة الأمريكية ممثلة في الرئيس كارتر وقتئذٍ لتسليم الشاه الذي وصل إلى الولايات المتحدة للعلاج، إلا أن تحذيراً من الرئيس الأمريكي الأسبق كارتر كان كافياً لأن يعيد الخميني إلى رشده، فقد كان كارتر حاسماً في رده على أحد الصحفيين عندما سئل عن نية الولايات المتحدة في تحرير الرهائن وهل سيصل الأمر إلى حد المواجهة العسكرية، فكان رد الرئيس كارتر هو أن قنوات الحل السلمي مفتوحة، غير أن الأمر سيتغير تماماً ويتحول بالفعل لمواجهة عسكرية في حال قيام طهران بقتل أحدهم.

انتهت أزمة الرهائن وعادوا إلى بلادهم سالمين دون مواجهة عسكرية أمريكية إيرانية، وهو ما دعا أحد ساسة الولايات المتحدة لوصف الخميني وأتباعه بأنهم حمقى ولكنهم ليسوا أغبياء، غير أن العلاقات بين الدولتين وبالأحرى بين إيران وبين بقية دول العالم لم تنته على نفس المنوال، وظلت العلاقات في المرحلة الرمادية الباهتة، فلا هي سلم ولا هي حرب، واستمر التوتر كامناً يظهر تارة ويختفي تارة أخرى، ولم تهدأ استفزازات إيران وتدخلاتها الدائمة في شؤون دول الجوار الإقليمي، وكان للمملكة النصيب الأكبر منها؛ حيث اقتحم المجال الجوي السعودي في الثمانينات سرب من الطائرات الإيرانية لاختبار ردة الفعل السعودي، وكان الملك فهد رحمه الله حازماً حيث أعطى الأمر بإسقاطها، وقد تم اعتراضها وإسقاط عدد منها قبل أن تهرب بقية الطائرات المهاجمة وتعود أدراجها إلى طهران وهي تلعن حماقة الخميني.

إيران تعرف حدودها تماماً، وتحاول من خلال حروب الوكالة أن تقف في المنطقة الرمادية، تحاول أن تثبت وجودها ولكن من خلال ذيولها، لا تريد أن تظهر في الصورة حتى لا تظهر أمام المجتمع الدولي بمظهر المعتدي، لذلك فهي تفضل لعبة الخفاء، تلعن في أبواقها الولايات المتحدة غير أنها تمد يدها لهم خلف الستار، وما التهديدات الأخيرة لقادة فيالق الحرس الثوري إلا محاولة يائسة لذر الرماد في العين، ولطمأنة الشارع الإيراني الذي يترقب الأحداث على صفيح ساخن، ومن المؤلم أن جميع الحروب الخاسرة التي خاضتها حكومة الملالي لم يدفع ثمنها إلا أبناء الشعب الإيراني المسلم، فهم مجرد أدوات لتحقيق نزوات زعمائهم، وعندما قرأت عن مراهنة الرئيس الإيراني وقادة الحرس الثوري على اصطفاف الشعب الإيراني خلف قادته، تذكرت تصريحات هتلر وموسوليني وصدام حسين قبل أن يلقوا جميعهم مصيرهم المحتوم.

«الحرب مؤلمة ولكنها قد تكون ضرورية لترسيخ السلام» هي مقولة رددها الحلفاء أثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما كابرت اليابان آخر دولة استسلمت من دول المحور وأصرت على المقاومة، لم تتورع الولايات المتحدة عن استخدام القنبلة الذرية لإثبات جديتها وعزمها على إنهاء الحرب بأي شكل، وقد انتهت الحرب بعدئذٍ وأعلن انتصار الحلفاء، فالمجتمع الدولي لا يتفوه بالترهات ولا يهدد من فراغ، كما أن طهران تعرف جيداً أن الرئيس الأمريكي لا يحتاج إلى موافقة الكونجرس لحماية مصالح بلاده، وعلى إيران أن تدرك أن العالم يتغير، وأن المجال الأكثر تحديثاً وتطوراً هو المجال العسكري بكافة فروعه ومجالاته، ولهذا فالحرب القادمة لن تدار بعقلية الستينات أو بمنطق الحرب الباردة كما يعتقد ساسة طهران، بل من المرجح أنها ستكون حرباً إلكترونية تمتد من شرق إيران وحتى غربها، ومن أقصى شمالها لأبعد نقطة في جنوبها، وعلى إيران أن تعلم أن بعض الدول الأوروبية التي تعول عليها قد لا يريدون الحرب فعلاً، ولكنهم -في المقابل- لن يذرفوا الدموع على زعماء طهران عندما يسقطون تباعاً خلال مواجهتهم مع المجتمع الدولي.

* كاتب سعودي