تُركيا هي بلاد الروم وعاصمتهم القسطنطينية، وإيران بلاد فارس، وبحكم ما أسفر عنه الواقع من شراسة (روم فارسية) نعود لتقليب صفحات الماضي مرغمين ليمكن من خلال ما نصل إليه التوصل لتفسيرات لما يحدث.

كانت الروم وجارتها الفارسية أكبر قوتين عظميين في المنطقة يتحكمان في جزيرة العرب من خلال تبعية القبائل العربية لهما، وإن وقعت بعض المعارك منها يوم (ذي قار) الخالد.

للروم والفرس عقائد وقناعات موروثة فيها من الطبقية والاستبداد والنظرة الدونية ما يعزز روح الغطرسة والاستعلاء، ولم يكن مستغرباً موقفهما المبكر من الدِّين الجديد الذي اختار الله (جزيرة العرب) منطلقاً له، فأبدى رموزهما الرفض التام لما يدعو إليه النبي العربي محمد بن عبدالله، إذ كيف لأكبر قوتين أن تدين للبدو رعاء الشاء والإبل؟

يبدو أن تشاؤم الفرس من مولد النبي العربي في مكانه، إذ انطفأت نيرانهم، وأظلمت معابدهم، ولم يكن الروم أقل تشاؤماً من الجار اللدود، إلا أن الروم اعتمدوا على الكهنة في إثبات صدق الدعوة الجديدة وربما أمكن قبولها جزئياً.

كانت رؤية الروم والفرس أنه طالما بقي الدين الجديد في محيطه فلا شأن لنا به، كونه لا يؤثر على مصالحنا، إلا أنه سرعان ما وصل أتباع محمد عليه السلام إلى حدودهم وطرقوا عليهم أوسع أبواب المواجهة ليعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.

انقلبت المعادلة، واختل ميزان القوى، فأُسقط في أيديهم، وفجأة غدا الفريقان مسلمين، مذعنين لرعاة الإبل والشياه، وحجوا واعتمروا، لكنهم لم ينجحوا في إخفاء مشاعرهم الأولى ولم يكفّوا عن أذى العرب، فمنهم من تسلل ليقتل خلفاء المسلمين، ومنهم من حاول العبث بالأحاديث لينسب إلى رسول الله ما لم يقل.

أتصور أن الحروب التي شنّها الروم على العرب وعلى المسلمين وعلى أوروبا باسم الخلافة لم يكن مقصدها نشر رسالة الله، بل كانت تشويها لصورة الإسلام لما فيها من تطاول وسفك دماء أبرياء واستحياء نساء. وها هم الفرس اليوم يستفزون الغرب أيضاً باسم الإسلام، ليحقد الغرب على الإسلام (الأصلي) في جزيرة العرب بسبب أخطاء تاريخية فادحة ارتكبها الروم والفُرس وربما كانت أحد أسباب الحروب الصليبية.

لعل البعض يلتمس أعذاراً لمن أسلم مكرها، وتعامل مع العرب بتُقْيَة ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب، لكنهم متى ما فقهوا التاريخ جيّداً سيمكنهم تفسير بعض ما يحدث لا كلّه.