كثيراً ما تتسبب الحدود السياسية والجغرافية بين الدول في نشوب بعض الصراعات، والتي قد يتطور بعضها إلى نزاعات مسلحة أو حروب، غير أن الوضع يختلف بالنسبة لدولة مثل إيران لا تعترف من الأساس بالقوانين الدولية، فإيران لا تنظر للحدود السياسية إلا باعتبارها عراقيل تحول دون مد نفوذها الفكري، وتمنع تمددها العقائدي؛ حيث يعتقد زعماؤها أن الحدود الفعلية لدولتهم تتضمن كل أراضي الشيعة في العالم، والذين يتوجب عليهم الانضمام والانضواء تحت رايتها، بل والأدهى من ذلك أنها تسعى في الخفاء لتشييع مسلمي العالم وضمهم داخل حدودها، وبنظرة عجلى على تاريخ إيران الحديث، سنجد أنها غدت دولة مشاكسة ومهددة للسلم العام عقب قيام الثورة الإيرانية على الفور عام 1979، فهي حتى لم تتوقف لتلتقط أنفاسها بل شرعت على الفور في تنفيذ بنود أجندتها العدوانية.

في عام 1975 وقبل قيام الثورة الخمينية وقع العراق اتفاقية الجزائر مع إيران لترسيم الحدود فيما بينهما، وكنتيجة لتلك الاتفاقية تم ترسيم الحدود والاتفاق على مناصفة شط العرب بين الدولتين، وذلك على الرغم من عدم وجود أية قرائن أو أدلة تاريخية تثبت أحقية طهران فيه، وعقب وصول الخميني للحكم بادر العراق وقتئذٍ بتهنئة نظام الخميني كبادرة إثبات حسن النية مع النظام الجديد، غير أن الخميني أجاب على التهنئة برسالة عدوانية بدأها بعبارة «السلام على من اتبع الهدى»، وهى العبارة التي تستخدم لتحية غير المسلمين، وسرعان ما أعلن نظام طهران الجديد عدم اعتراف الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأية اتفاقيات دولية وقعها الشاه السابق مع العراق، قاصداً بوضوح اتفاقية الجزائر.

استهل الخميني فترة حكمه بفتح السجون ونصب المشانق وتصفية جنرالات طهران السابقين، وقام بارتكاب أكبر حملة إعدام ضد خيرة رجال الجيش والشرطة الإيرانية، ولم يكتف بالقضاء على خصومه الداخليين بل شرع في قصف القرى الحدودية المجاورة للعراق لاستفزاز النظام العراقي، مما حدا بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين لإعلانه التخلي عن اتفاقية الجزائر واعتبارها لاغية، وإعلان نيته في استعادة شط العرب، وهو ما تمخض عنه الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات، وخلفت ما يقارب المليون قتيل.

ورغم أن الحرب انتهت إلا أن المرارة التي منيت بها إيران لم تنته، فنظام الخميني كان يعلم أن دعم دول الخليج -وعلى الأخص المملكة- للعراق هو ما حال دون انتصار إيران وتحقيق أحلامها التوسعية، لذلك وجهت أنظارها للمملكة لأنها عماد الاستقرار والصخرة التي تحطمت عليها أحلامها التوسعية، وقد سعت إيران منذ ذاك الوقت وحتى يومنا هذا لاستفزاز المملكة والسعي لجرها بكافة الطرق والوسائل لمستنقع الحرب ضدها، وقد عمدت بصورة كبيرة لاستخدام طريقة الحرب بالوكالة خلال العقد الماضي، ومن الواضح أن غيظها بلغ منتهاه مع العقوبات الدولية الأخيرة التي فرضت ضدها، والتي دفعتها بصورة شبه مباشرة لبدء حرب شعواء، ولكن ليس ضد المملكة هذه المرة، بل ضد العالم أجمع.

الأحداث التخريبية التي وقعت مؤخراً قرب ميناء الفجيرة، والتي أعقبتها محاولات أخرى هدفت لتهديد إمدادات النفط العالمية أظهرت بما لا يدع مجالاً للشك أن أي اتفاقيات للسلام مع إيران لن تمحو إرث الكراهية المتأصل في نفوس زعمائها، كما أوضحت أن فترات الهدوء التي تخللت الصراعات (التي تواظب إيران على افتعالها) بين الحين والآخر ما هى إلا هدنة تنتهزها لالتقاط أنفاسها، ولعل استقبال وسائل الإعلام الإيرانية بحفاوة مبالغ فيها للأحداث التخريبية التي وقعت مؤخراً قرب ميناء الفجيرة يدل على تورط إيران بطريقة أو بأخرى في ارتكابها عمداً.

إن كان نظام الخميني قد نجح في استفزاز صدام حسين لشرك الحرب الدامية، فإن قادة المملكة يختلفون عنه شكلاً وموضوعاً، فما يمتلكه قادة المملكة من خبرة وحكمة وحنكة سياسية تحول جميعها دون وقوعها فريسة في حبائل إيران، وما فات إيران هو أن صراعها الآن أصبح ضد المجتمع الدولي وليس المملكة فقط، فإيران باتت الآن مصدر التهديد العالمي الأول -والأكثر خطورة- ضد استقرار إمدادات النفط العالمية، وبالتالي أصبحت أفعالها بمثابة تهديد مباشر للاقتصاد الدولي بكافة مجالاته وفروعه، وهذه المرة لن تقف المملكة وحدها ضد التهديدات الإيرانية، بل سيقف المجتمع الدولي معها رافضاً الرعونة والحمق والاستفزازات الإيرانية، وعلى إيران الانتباه هذه المرة، فقد اقتربت ساعة النهاية ودقت بالفعل أجراس الخطر.

* كاتب سعودي