مع انتشار ظاهرة الإرهاب العابرة للحدود يتساءل الجميع دونما استثناء عما إذا كان من الممكن أن تتوقف تلك الهجمات الإرهابية؟ ومتى؟ وهل من الممكن تخليص الأبرياء من شرورها؟ لاشك عندي في أن الإرهاب كظاهرة لن تتوقف أبداً وذلك لعدة أسباب؛، لعل أهمها أنه يمثل عقيدة فاسدة لدى البعض، أما السبب الأهم والأكثر خطورة هو أنه بمثابة تجارة يستثمرها كبار الإرهابيين لغايات عديدة ومختلفة، وبعيدة كل البعد بطبيعة الحال عن الدين المنزه عن جميع النواقص.

عادة ما تتخذ المنظمات الإرهابية صغار الشباب من الجهلاء بالدين كأداة لتحقيق أهدافهم على اختلافها، من خلال تأصيل أفكارهم السامة في عقولهم القاصرة باعتبارها عقيدة تستحق أن يفني المرء حياته من أجلها، ويستمر بذلك مسلسل الإرهاب بشقيه التجاري والعقائدي على نحو متبادل، غير أنه في رأيي لا يهم أن نتساءل عن توقيت اختفاء ظاهرة الإرهاب، ولكن المهم أن نتوصل لتحديد الإرهابيين المتسببين في ارتكاب تلك الحوادث، فالأهم أن نضع أيدينا على منبع الوباء ونجتثه من جذوره.

من يقوم بتنفيذ العمليات الإرهابية هو إرهابي بدرجة منفذ لا أكثر، أما المخططون والمنظمون والمسؤولون الحقيقيون هم الإرهابيون الفعليون الذين يديرون الأحداث من خلف الكواليس ومن وراء الأحجبة، يعيشون بعيداً عن أعين العدالة وأيدي القضاء، يسوقون الشباب الغر ويستغلون ضعف إدراكه وقلة ثقافته ليلقى حتفه في سبيل قضية خاسرة، بينما يرفلون هم في نعيم الدنيا ويتقلبون بين ملذاتها ورغد معيشتها.

ما قامت به المجموعة المارقة قبل عدة أيام قليلة من هجوم على مركز لرئاسة أمن الدولة بالزلفي أثار انتباهي وامتعاضي بل واستغرابي أيضاً، فالمراكز الأمنية بطبيعتها محصنة، وتحميها حراسة مكثفة، وتحيطها قوات أمنية بأدواتها ومعداتها، فلم يا ترى أقدم هؤلاء الإرهابيون على تنفيذ هجوم يعلمون مقدماً أن نتيجته خاسرة، وهو بالفعل ما حدث تحديداً، فما الهدف إذن من تنفيذ هجمات سيتم -بدون شك أو ريبة- إحباطها وإيقافها حتى قبل أن تبدأ؟ فلو تمكن الإرهابيون من تخطي أحد الحواجز فلاشك أنهم سيتوقفون أمام الحاجز الآخر الذي يليه، ولو تخطوا الحاجز التالي سيوقفهم الحاجز الذي يليه، وبالتالي فمن العسير جداً الدخول إلى عمق المركز الأمني أو تخطي كل هذه الحواجز والسياجات الأمنية.

من الواضح أن الهدف من هذا الهجوم الجبان هو مجرد القيام بعملية انتحارية يتم خلالها قتل أكبر عدد ممكن من الأبرياء من رجال الأمن، فليس هناك أي هدف آخر سوى إزهاق الأرواح وإراقة الدماء، والسعي الحثيث لتنفيذ أجندة خارجية لا تتوقف عن محاولة زعزعة أمن واستقرار المملكة رغم فشلها المتكرر في فعل ذلك، فهذه الحادثة تبدو كما لو أنها مجرد محاولة يائسة لإثبات الوجود، والتأكيد على أن تنظيم داعش الإرهابي لا يزال موجوداً وله سطوته ونفوذه على الأرض، ولاسيما بعد سلسلة الهزائم المتتالية التي مني بها وساهمت في تقليص وجوده ودحره من الأراضي الشاسعة التي كان مسيطراً عليها من قبل، وبالتالي فليس الهدف هو اقتحام مبنى الأمن بقدر ما هي محاولة تنظيم -في الرمق الأخير- لإخبار العالم بأنه لا يزال موجوداً، كالقتيل الذي ترتعد فرائصه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.

يريد داعش الرد على المملكة والثأر منها بعد توجيهها العديد من الضربات القاصمة له، يعتقد أن عمليات خسيسة من هذا النوع ستثبت للمملكة وللعالم أنه لا يزال للتنظيم العديد من الجماعات الموالية له، وهذا التكنيك ليس بجديد، بل هو قديم قدم التاريخ ذاته، فكل تنظيم إرهابي يعتمد في استمرار وجوده على نشاطه الآثم بصرف النظر عن مدى نجاح العمليات التي يقوم بها من عدمه، وخاصة خلال فترة انحلاله وتفككه، لأن عدم وجود أي نشاط -حتى لو كان خاسراً- سيسرع من وتيرة انهياره، وقد لا يتمكن من الصمود بعد ذلك كثيراً.

تعقب الجناة من الإرهابيين هو أمر في غاية الأهمية والخطورة، ليس فقط لحصرهم ومحاكمتهم ومعاقبتهم بالعقاب الذي يستحقونه، ولكن من أجل الوصول لمنبع الإرهاب وبؤرة تركزه، ثم اجتثاثها من أصولها وتجفيف تلك المنابع السامة، وتلك العملية الشاملة لمكافحة الإرهاب لا تعتمد الحل الأمني فحسب، بل هى معركة متعددة الجوانب ومتشابكة الأبعاد، فيها الجانب الثقافي وفيها البعد الاجتماعي، وبقدر ما تعتمد على العمل الاستخباراتي بقدر ما تركز على عمليات رفع الوعي وشحذ الإدراك لدى عموم الشعب، وخاصة الفئات المستهدفة الأكثر عرضة للتجنيد من قبل الإرهابيين، إنها معركة أولاً وأخيراً مع قوى الظلام ودعاة التطرف والإرهاب، غير أنها معركة الحاضر والمستقبل، والتي تحتاج أن نبذل لأجلها كل نفيس وغالٍ.

* كاتب سعودي