خلال الشهر الماضي، انضربت ثلاث «شرنجات»، اثنتين منهما بداخل فمي. وكانت كلها مزعجة، وبالرغم من محاولاتي للتظاهر بالشجاعة وعدم المبالاة... «يعني يعني» أنها بسيطة.. فقد آلمتني وتولد عنها هذا المقال. و«الشرنجة» هي الاسم الحجازي القديم للإبرة الطبية التي نخاف منها مهما كانت شجاعتنا.. كل بطريقته الخاصة، سواء كانت معدنية، أو زجاجية، أو بلاستيكية. والمعدنية «أم ثلاث مسكات» هي الأسواء على الإطلاق في توليد الرعب. والغالب أن الاسم العجيب كان مشتقاً من اسمها اللاتيني «سيرينج» syringe. ويقدر عدد الذين يستخدمونها سنوياً بأكثر من أربعة وعشرين ألف مليون إنسان، يعني بمعدل يفوق المرات الثلاث سنوياً لكل من سكان الكرة الأرضية. وبصراحة «الشرنجات» بأشكالها وأنواعها وأحجامها المختلفة تستحق وقفة تأمل، وإليكم الأسباب: بدأت على يد طبيب العيون المصري الفذ «عمار علي أبو القاسم الموصلي» في القرن الخامس الهجري وكان من رواد طب العيون، ثم أكمل المشوار الطبيب الإيرلندي «فرانسيس ريند» بنهاية القرن التاسع عشر الميلادي، وبقيت دون أي تغير على مدى أكثر من مئة سنة. فضلاً انظر في شكلها فهو «يفجّع»، وتأثيرها النفسي يؤلمنا، وحتى اسمها بأي لغة يسبب القلق الشديد. واليوم في هذا العصر المذهل بتقنياته الرائعة لا تزال الشرنجة.. شرنجة مهما راحت أو جاءت. والمخجل في الموضوع أنها لم تطور بالرغم أن أفضل تقنيات الشرنجات كانت، ولا تزال أمام البشرية...أمس، واليوم، وغداً. وباختصار شديد فستجدها في البعوض: الناموسة لديها إحدى أفضل الشرنجات على الإطلاق، وأقصد هنا الأنثى، فذكور البعوض غلابى والغالب أن مخهم في «الطراوة»، ولا علاقة لهم بالحيل الخبيثة لسرقة الدم. والمذهل أنك لا تشعر بقرصتها أبداً، تسمع الطنين بسبب رفرفة جناحيها بسرعة مذهلة، وقد تشعر بالهرش بسبب ما تضخ هذه الحشرة المؤذية من سوائل خبيثة، وذلك لتأكيد سيولة الدم وإبقائه ليتدفق بسلاسة من أوعيتك الدموية عبر إبرتها المتخصصة. وعذراً على هذه المعلومة المقززة: الناموسة تبصق علينا قبل أن تسرق دماءنا.. يعني تضيف الإهانة إلى السرقة. ولديها تركيبة عجيبة في فمها تحتوي على الشفاه، ومنظومة الإبر. تقوم بتجهيز سطح الجلد بالشفاه «يعني يعني» وكأنها «تطبطب» على جلودنا، ثم تشق سطح الجلد وكأنها منشار، وتغرز الإبرتين الأولى للبصق، أعزكم الله، والثانية لسحب الدم. وإبرتها «مشرشرة» بخلاف الإبر الملساء التي تؤلمنا في عالم الطب. وتوفر تلك الشرشرة أسطح أقل تأثيراً على الأعصاب مما يقلل من شعورنا بحركتها، بل وبوجودها. وللعلم، فتلك الإبر في أفواه البعوض تمثل قمة فنون ضرب «الشرنجات»، ولذا فبدأت مجموعة من الجامعات في الولايات المتحدة بدراستها لتحسين تقنيات الإبر. وللعلم أيضاً، فإن عدد ضحايا إبر البعوض حول العالم قد جعل تلك الحشرة الضارة العدو الأخطر على البشرية. وللعلم فيفوق عدد المصابين بالأمراض التي تنقلها المئتي مليون سنوياً، ويصل عدد الوفيات إلى أكثر من نصف مليون إنسان بسبب ما تنقله من الملاريا، وحمى الضنك، وغيرها من أمراض حول العالم.

أمنيـــة:

أتمنى أن نفلح في إيجاد الحلول للقضاء على الآلام التي يعاني منها البشر، وأن نفلح في الاستفادة من عظمة خلق الله في كل ما حولنا من تقنيات قد لا نشعر بها، حتى وإن كانت في البعوض. وقد تبدو شكة الإبرة بسيطة، ولكن المفروض أن يجعل ذلك حلها من أبسط ما يكون بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي