التصور بأن إيران قد بدأت تخطط لفرض نفوذها وسيطرتها الفكرية والسياسية على العراق بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، تصور خاطئ أبعد ما يكون عن الحقيقة والواقع، بل يعود إلى بدايات تأسيس نظام ولاية الفقيه في إيران والذي اقترن كما نعلم مع الحرب التي وقعت بينها وبين العراق.

لذلك فإن إيران تريد من المليشيات التابعة لها ومنها الحشد الشعبي في العراق عدة أمور منها:

ـ تنفيذ المشروع الإيراني في العراق والمنطقة، خصوصاً بعد أن صار معظم مقاتليه يقلدون خامنئي ويعتبرونه مرجعيتهم الأساسية، وقد سبق أن أكد العديد من قادة المليشيات وبصراحة بالغة أنهم يسعون ويعملون من أجل تنفيذ مشروع الخميني في العراق وجعل هذا البلد في النهاية تابعاً لإيران من كل النواحي.

ـ استخدامها كأداة وكوسيلة لإرعاب وإرهاب وحتى تصفية من يقف بوجه المخططات الإيرانية في العراق، حتى وإن كانت من داخل الحكومة العراقية نفسها، المهم الذي يجب أن نلفت النظر إليه بشكل خاص، هو أن هذه المليشيات عندما يتم تكليفها بمهام خاصة موجهة من طهران، فإنها عادة ما تكون مغطاة ومدعومة بصورة تشبه طرق عصابات المافيا وهي لا تعتبر القوانين والأنظمة العراقية المعمول بها عائقاً أمامها، بل إنها تنتهكها وبصورة سافرة وتتصرف كدولة داخل دولة.

ـ استخدامها كقوات تحت الطلب في حال وقوع أية مواجهة مع الدول الإقليمية الكبرى وبشكل خاص السعودية، لاسيما وقد تم إعداد مليشيات الحشد الشعبي بصورة يتم خلالها التركيز على السعودية كعدو لدود أكثر من التركيز على أية جهة أخرى بما فيها إسرائيل.

ـ استخدامها في عمليات نقل وإيصال الأسلحة والذخائر للنظام السوري ولاسيما بعد اكتمال الطريق الإستراتيجي الذي يربط إيران بلبنان عبر العراق وسوريا، كما يتم استخدام هذه المليشيات لعمليات ومهام سرية أخرى للحرس الثوري بعد أن صار حزب الله اللبناني مكشوفاً ولم يعد بوسعه القيام بنشاطاته لصالح الحرس الثوري كالسابق.

ـ القيام بعمليات تغيير ديموغرافية واسعة النطاق شملت مناطق من محافظة ديالى وصلاح الدين وكركوك والرمادي، وقد كانت بإشراف خاص من قائد فيلق القدس، خصوصاً تلك المتعلقة بتصفير تواجد المكون السني في المناطق المحاذية لإيران في محافظة ديالى وجعلها شيعية وهو أمر لم تتمكن مصادر الحكومة العراقية وقتها في غمرة مقاتلة تنظيم داعش من نفيه بل وحتى تبريره، وذلك بأنه من حق إيران أن تحافظ على أمنها بالطريقة التي تريدها!

عمليات التغيير الديموغرافي التي تمت على يد فصائل الحشد الشعبي والتي شملت إضافة إلى عمليات ترحيل واسعة النطاق للعوائل السنية من مناطقها بحجج وذرائع مختلفة، الكثير منها واهية وقد تم إعدادها سلفاً، والقيام بهدم المنازل وجرف البساتين وتهديم وتخريب المساجد السنية، بالصورة التي لفتت أنظار المجتمع الدولي، خصوصاً عندما تم نقل تقارير كارثية وثقت ممارسات إجرامية لهذه المليشيات في ديالى والموصل والرمادي وغيرها.

ومن الواضح جداً أن إيران ستعمد إلى التركيز على مليشيات الحشد كلما ضاقت بها السبل، خصوصاً من حيث الضغوطات الأمريكية، وحتى أن إدراج الحرس الثوري ضمن قائمة المنظمات الإرهابية من الممكن جداً أن يثير عاصفة في العراق، طبقاً لما سيطلب من المليشيات أن تقوم به، ولاشك أن أغلبية الشعب العراقي بمن فيهم المواطنون الشيعة مستاؤون من الدفع باتجاه جعل العراق يقف في موقف المدافع عن إيران والواقف إلى جانبها من دون التأكد من عواقب مثل هذا الموقف.

ما العمل مع مليشيات الحشد؟

هناك حقيقة مهمة جداً على أبناء الشعب العراقي أن يعرفوها جيداً ويتفهموها بعمق، وهي؛ أن القتال جنباً إلى جنب مع الإيرانيين ضد الأمريكيين كما تطمح إيران إلى ذلك، لن يكون مكلفاً جداً بالنسبة للعراق فحسب، بل سيكون بمثابة كارثة ودمار جديد ينتظر العراق، وأن إيران – المتورطة أساساً في مواجهة غير مأمونة العواقب مع الولايات المتحدة – تحاول من خلال توسيع دائرة المواجهة وضم العراق إليها من خلال مليشيات الحشد تخفيف الضغط عن نفسها من أجل أن تخرج من المواجهة بخسائر أقل وتكون في موقف وموقع أفضل أمام واشنطن.

الشعب العراقي وخصوصاً القوى الوطنية والشرائح المثقفة مطالبة بالعمل من أجل الوقوف ضد جر العراق إلى هكذا مواجهة خاسرة ومكلفة، ويجب أن يكون هناك نشاط وتحرك مضاد باتجاه تحييد العراق، وإن ما قد ذكره الرئيس العراقي برهم صالح ومن بعده رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي، بضرورة أن ينأى العراق بنفسه بعيداً عن سياسة المحاور.

ومن هنا، فمن المهم جداً أن يكون هناك، وفي هذه الفترة الخطيرة والحساسة جداً من الصراع الأمريكي ـ الإيراني، والذي ليس للعراق وشعبه ناقة فيه ولا جمل، أن يكون هناك مسعى من أجل ما يلي:

ـ العمل من أجل فصل وعزل دور ونشاطات وتحركات مليشيات الحشد الشعبي عن الموقف الرسمي والشعب العراقي وإخطار بلدان العالم بذلك ولاسيما الولايات المتحدة الأمريكية.

ـ العمل من أجل فصل العلاقة الحميمة القائمة بين هذه المليشيات وبين الحرس الثوري الإيراني، خصوصاً في ضوء إدراجه أمريكياً ضمن قائمة المنظمات الإرهابية.

ـ العمل من أجل محاسبة قادة هذه المليشيات ووجوه بارزة فيها من الذين تورطوا في أعمال ونشاطات إجرامية بحق مختلف مكونات الشعب العراقي ووضع حد لاستثنائهم من المحاسبة كما تريد إيران من أجل مصالحها الخاصة في العراق.

ـ ضرورة فتح سجل الجرائم والمجازر والانتهاكات التي قامت بها فصائل من مليشيات الحشد الشعبي وجعل العالم كله على اطلاع بها، خصوصاً وأن إيران ومن خلال الحرس الثوري متورطة بها.

ـ العمل من أجل محاسبة ومحاكمة الفاسدين الذين تسترت عليهم إيران بواسطة تهديدات هذه المليشيات، والذين يحتفظون بمعلومات صادمة، إلى جانب قيامهم بسرقة أموال الشعب العراقي وهدرها بطرق غير مسبوقة في العالم كله.

ـ تقوية علاقة العراق مع البلدان العربية إلى سابق عهدها وأن يكون معلوماً للشعب العراقي أن أكثر مصائبه قد بدأت بعد ابتعاده عن حضنه العربي الذي هو بمثابة ضمانة قوية لأمنه واستقرار ومستقبل أجياله.

ـ لا يمكن للأمن القومي في العراق أن يكون محفوظاً وفي أمان مع تصرف هذه المليشيات بأسلوب دولة داخل دولة وعدم اكتراثها بالقوانين ورفضها الالتزام بها، لذلك لابد من أن يكون هناك مسعى وطني جدي من أجل جعل هذه المليشيات خاضعة للقانون وليس أن تكون فوقه أو مستثناة منه.

ـ على العراق أن ينسق مع البلدان العربية من أجل تحصين أمنه القومي خاصة والأمن القومي العربي عامة وعدم السماح باستخدام العراق من أجل فتح أكثر من ثغرة في جدار الأمن القومي العربي.

ـ المطلوب من الحكومة العراقية أن تنشط الدور والحضور الدولي وأن تسعى لإنهاء حالة الاحتكار الإيراني الذي لا يزال مستمراً بصورة غير عادية منذ أيام نوري المالكي وحتى يومنا هذا.

ـ من المفيد جداً أن يعمل الناشطون العراقيون من أجل توضيح الدور السلبي لهذه المليشيات وما تشكله من خطر كبير على السلام والأمن والاستقرار في العراق والمنطقة والعالم ونقل معلومات موثقة بهذا الصدد للعالم حتى يعرفوا حقيقة وماهية هذه المليشيات ويقفوا مع الشعب العراقي كي يتخلص منها قبل أن تقضي عليه وعلى المنطقة.

* أمين عام المجلس الإسلامي العربي في لبنان