كم هو منكل به الشعب العربي الفلسطيني. إنه من أكثر شعوب العالم تعرضاً للظلم والعدوان، من قوى غازية باغية، لا تعترف حتى بوجوده. إذ تستهدف إبادته، ومصادرة أرضه وتاريخه. فهذه القوى ما فتئت تحاول سلبه كل بلاده، واغتصاب كل حقوقه، وقتل وتشريد أبنائه، وتدمير دورهم.. مرتكبة – بذلك – واحدة من أبشع الجرائم في تاريخ الإنسانية. بل جريمة وصفت بأنها «جريمة العصر». لعل هذا الشعب هو صاحب أعدل قضية في التاريخ المعاصر. وكان من الطبيعي أن تنشأ مقاومة فلسطينية وعربية ضد هذا العدوان، وهو ما حصل منذ بدء الغزو الاستيطاني الصهيوني. ولكن معظم قيادات الفصائل الفلسطينية المقاومة، والتي يجب أن تتصدى للعدو وتتزعم النضال الوطني، كانت – وما زالت مع الأسف – دون مستوى التحدي الذي يواجهه هذا الشعب الأبي.

صحيح، أن هذه القيادة، بكل تفرعاتها وفصائلها، تواجه واحداً من أعتى قوى البغي والقهر، في الوقت الحاضر، وأن هذه القوى لها نفوذ عالمي وإقليمي واسع النطاق، حتى أنها تمكنت من تهيئة المنطقة لدولة دخيلة ظالمة، وسخرتها لهؤلاء الغزاة. ولكن الصحيح أيضاً، هو: أن هذه القيادة ساعدت العدو – من حيث تدري ولا تدري – في تثبيت أقدامه ومخالبه في فلسطين، والمنطقة. وأوشك الصهاينة على إتمام تصفية القضية الفلسطينية، تحت سمع العالم وبصره. وهذا يعود – في الواقع – إلى عدة «أسباب».. يأتي في مقدمتها: الدعم الأمريكي (والغربي) المطلق لإسرائيل، والنفوذ الصهيوني على مراكز صنع القرار في الدول الكبرى، وخاصة أمريكا. وكذلك الضعف العربي المشهود. بالإضافة الى: أن «تخبط» القيادة الفلسطينية وتشرذمها، على مدار أكثر من 70 عاماً، يجب أن يحسب كأحد المسببات الرئيسة.

***

وتتجسد هذه القيادة في «منظمة التحرير الفلسطينية» (م. ت. ف). وهي منظمة سياسية شبه عسكرية، تعترف بها الأمم المتحدة والجامعة العربية وكل الدول والمنظمات العربية والإسلامية، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني، داخل وخارج فلسطين. وهي بمثابة حكومة فلسطين، ورئيسها يعتبر رئيساً لدولة فلسطين المأمولة، ويترأس سلطة تنفيذية مكونة من عدة وزراء. وقد تأسست عام 1964م، إثر انعقاد المؤتمر العربي الفلسطيني في القدس، بناءً على قرار مؤتمر القمة العربي بالقاهرة المنعقد عام 1964م. وهدفها الرئيس هو: تحرير فلسطين، عبر الكفاح المسلح وغيره. ولكن المنظمة جنحت إلى السلم فيما بعد، وتبنت إقامة دولة ديمقراطية على جزء من فلسطين.

وفي عام 1988م تبنت (م. ت. ف) خيار الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية تعيش في سلام مع إسرائيل، على حدود 1967م، بعاصمتها القدس الشرقية، مع عودة اللاجئين الفلسطينيين. وفي عام 1993م، ونتيجة لاتفاق أوسلو، تبادل رئيس المنظمة حينئذ (ياسر عرفات) مع رئيس وزراء إسرائيل (إسحاق رابين) الاعتراف رسمياً. إذ اعترفت المنظمة بإسرائيل، مقابل اعتراف إسرائيل بالمنظمة، كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. وأقيمت على إثر ذلك السلطة الفلسطينية على الضفة الغربية وغزة. وحصل بعد ذلك ما حصل. ولم تلتزم إسرائيل – كعادتها – ببقية بنود اتفاق أوسلو، واستمرت في إقامة مستوطناتها على أرض الضفة المنهوبة.

وتتكون (م. ت. ف) من: حركة فتح، وغالبية الفصائل والحركات الفلسطينية المقاومة. وذلك باستثناء: حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي، والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وليت كل هذه الحركات تندمج مع المنظمة، سياسياُ وعسكرياُ، مع تطبيق المبدأ الديمقراطي، واعتبار كل فصيل مشروع حزب سياسي، يتم إعلانه بعد التحرير.

***

كان الأجدر بالمنظمة أن تحرص على عدم الإصابة بعدوى الفساد من بعض النظم العربية، التي تعرف أيضاً بالتخبط والاستبداد. ومن الأمثلة الكثيرة على التخبط الذي نشير إليه هنا: الخلاف البيني (الفلسطيني – الفلسطيني) الذي هو، في الواقع، صراع على السلطة من قبل أهم فصائل «المقاومة». وكذلك إصرار بعض الزعامات الفلسطينية على تخوين ما عداها، والظهور أمام العالم بمظهر المتحدي (الند) لإسرائيل.. وكيل التهديدات، والوعيد بالثبور وعظائم الأمور، كأن المنازلة تجري بين دولتين متكافئتين، أو جبهتين، متساويتي القوة والعدة والعتاد؟!

فالواقع المر يؤكد أن هذا «الصراع» عبارة عن: نزاع بين «دولة» معتدية، مدججة بأحدث الأسلحة الفتاكة – بما فيها أسلحة الدمار الشامل – وشعب أعزل، اغتصبت بلاده، وشرد أبناؤه، ودمرت منازله، وصودرت ممتلكاته، ولا يملك من وسائل «المقاومة» إلا أقل القليل من السلاح الخفيف والبدائي.. يقاوم به أحياناً واحدة من أجرم وأعتى القوى العسكرية، في عالم اليوم. لماذا لا يكون الشغل الشاغل لقادة المقاومة هو توضيح جرائم وحقائق الاحتلال – لكل العالم – والإشارة لها، دائماً.. بدل إطلاق صيحات التحدي، والوعيد الوهمي، وإصدار التصريحات النارية، والتهديد بإطلاق «صواريخ»..؟!

***

وقبل كل ذلك، لا بد من وقف هذا التمزق الفلسطيني وفي أسرع وقت ممكن، خاصة وأن التآمر الإقليمي والعالمي على القضية قد تضاعف الآن. إن هذا التشرذم والتخبط يصب (بالطبع) في مصلحة إسرائيل، التي «تستخدم» هذه الخلافات والتحركات والبيانات النارية، كي تقول للعالم: انظروا، إنني مهددة.. ومن حقي، إذاً، أن «أدافع» عن نفسي! إذ يساعد هذا الانفعال والخلاف العبثي الصهاينة على أن يقلبوا – كعادتهم – الحق باطلاً، والباطل حقاً... والنتيجة: أن الإجراء الوحشي الذي تتخذه إسرائيل، تجاه البشر والأرض، وتجاه كل عملية نضالية – مهما كانت بسيطة – لا يلقى من العالم الرفض والشجب الذي يجب أن يلقاه.. كما أن التضحيات الفدائية الرائعة والباسلة لا تحظى – من معظم العالم – بالتعاطف، والدعم، الذي كان ينبغي أن تناله هكذا أفعال مجيدة.

من نافلة القول أن نذكر بأن على القيادة الفلسطينية – ممثلة بالمنظمة والجبهات المستقلة – أن تسارع بالاتحاد، ورأب الصدع، وأن تتبنى إستراتيجية مقاومة حكيمة، تتضمن كل صنوف المقاومة، وبخاصة تلك التي لا تتطلب كلفة عالية في الأرواح. والمطلوب بإلحاح الآن هو إستراتيجية ذكية موحدة و«مقبولة»، ليس إقليمياً وحسب بل وعالمياً. وعلى هذه القيادة أن تغتنم كل فرصة.. لتوضح للعالم حقيقة ما يجري على أرض فلسطين (وخاصة في «سجن» غزة الكبير) وطبيعة المعاناة التي يقاسي منها الشعب الفلسطيني، بعيداً عن الـ «عنتريات»، التي تستغلها إسرائيل في محاولاتها «تبرير» استمرار ارتكابها لجريمة العصر.. وإن لم يسارع القادة الفلسطينيون بعمل ذلك فإنهم إنما يصفون بأيديهم قضيتهم، وقضية كل هذه الأمة.

وعلى الأمة (بالتلازم) أن تكثف من دعمها للقضية الفلسطينية، وأن لا تقدم على أي تقارب، أو تطبيع، مع إسرائيل، طالما ظلت على عدوانها.. فذلك أمر تحتمه القيم السامية، وتقتضيه ضرورة الدفاع عن النفس، ونصرة الجزء.. لحماية الكل. فلا شك أن وقوف العرب مع الفلسطينيين إنما يعني: دفاع العرب عن أنفسهم، لأن الكيان الصهيوني لا يستهدف فلسطين وحسب، بل يريد رأس العروبة والإسلام. والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصى.

* كاتب سعودي