أؤكدُ في البدء أننا في عصر نموذجي يعلي من شأن المواطن ويسعى لتحقيق رؤاه وتطلعاته ولن يغضب حاكم بحجم ملكنا وولي عهده من اجتهاد موظف في منطقة ما لإرضاء المواطنين، وإنصافهم وفق الأنظمة المرعيّة التي تقوم عليها الحكومة وتعززها وتدافع عنها القيادة.

إحدى إشكاليات الإدارة الحديثة تتمثل في ابتلائها بعقليات تقليدية مؤثرة، ومع أنه تم نقدها بالمقالات، والروايات، والأشعار والمسلسلات إلا أنه انتهى من نقدها، ولم تنته بل لعلها تتوالد وتفرّخ على طريقة الأرانب، ما يعيق مشروع الحداثة الذي هو المسلك الأوحد لتأمين النقلات النوعية المواكبة للعصر. فالحداثة مشروع نهضة كبرى. وإن سعى البعض لتشويهه بحكم عدم استيعابه، علماً بأن الحداثة صنو التحديث المجتمعي ولا تقوم إلا بقيامه.

بالطبع من السهل واليسير أن تعرف ما الذي يرضي المواطنين، إلا أنه من العسير وأحيانا من المستحيلات أن تتكهن بما أغضب أو سيغضب المسؤول وبعض رموز الإدارة التقليدية المتوارثة أو رموز الإدارة الحديثة المُؤثّر عليه من التقليديين يبالغ في إرضاء المسؤول فوق ما هو مطلوب منه، ولذا من الطبيعي أن تكون النتيجة عكسية، وبعضهم يستنفد كل قواه في سبيل تحقيق تطلع مواطن فيقضي بقية عمره متعباً بتحمل التبعات وردود الأفعال.

هل العمل القيادي باهظ التكاليف ؟ سؤال اضطراري لأتيح للقارئ المشاركة في التصور والحكم. فالقيادي في أي مجتمع أوروبي يعمل بارتياح كونه لا ينتمي إلا إلى وظيفته والقانون الذي يربطه برأس الهرم هو ذاته الذي يربطه بقاعدته. أما عربياً فالانتماء متشعب بين قبيلة وأهل وعشيرة، والولاء الوظيفي متعدد بحسب حجم مرجعياتك العليا، ما يثقل كاهل أي قيادي، ويشغل تفكيره، ويوزع مشاعره بين الأطياف والاعتبارات. هذا لا يزعل. وذاك لا يأخذ في خاطره. على كل، الإدارة فنُّ لا يُتقنه إلا ضميرٌ حيّ.