معناها مغطى بالتراب، وتستخدم لوصف القديم أو حتى «المبهدل» أو «المجربد»... يعني أقصى درجات البهدلة. وما سأهدف إليه في هذا المقال هو إظهار أن هذا الاستخدام يحتاج إلى إعادة نظر لأن التراب هو من النعم الكبيرة علينا. ولنبدأ بمفهوم التراب فهو خلطة مكوناتها الأساسية هي فتات الصخور، والأحجار المفتتة، والغبار، وحبيبات الرمال المكونة من مادتي الأوكسجين والسليكون، وهما أكثر مادتين منتشرتين على غطاء الكرة الأرضية. عنصر السليكون يعشق «الوناسة» وينسجم بشدة مع الأوكسجين ليكونا قبائل من حبيبات الرمل بهيمنة عجيبة على سطح كوكبنا. وخلال 100 سنة الماضية ارتفع شأن التراب بطريقة رهيبة، فأصبح من أهم المواد في حياتنا بأسلوب السهل الممتنع. ولنبدأ بالعمران: فضلاً التكرم بالنظر حولك وسترى كميات رهيبة من التراب لا مثيل لها في تاريخ البشرية. قبل حوالى 100 سنة انتشرت تقنيات البناء باستخدام الأسمنت المسلح، ومكوناته هي خلطة رمل، وأسمنت، وحصى، وحديد لتكوين إحدى أهم النعم. هذه الخلطة فتحت بإرادة الله أفق تشييد أغرب من الخيال. المادة الناتجة عنها قوية جداً، ومعمرة، ومقاومة للعفونة، وفوق كل ذلك، فهي أيضاً منخفضة التكلفة، وسهلة التصنيع، ومتوفرة في كل مكان. وكنا في السابق نضرب المثل بقوة الصخر، ولكن تلك الخلطة أتت لتسمح بمشيئة الله بما هو أعظم من الصخر، وبإطلاق تقنيات بناء أغرب من الأحلام. معظم المباني الشاهقة الارتفاع، والجسور الضخمة، والمنشآت العملاقة بأشكالها وأنواعها مبنية من خلطة الرمال، والأسمنت، والحصى، والحديد.. وهناك المزيد، ففضلاً انظر في الطرق التي أنعم الله علينا بها وتخيل أن مكونات تلك الطرق الرئيسة مكونة من الرمال.. الزفت أعزكم الله، يتكون من الرمل. ولا تنس أن الأرض التي تقف عليها الآن مكونة من خلطة مكوناتها الأساسية رمال. وعند سفرك بالطائرة تأمل في كمية الأسمنت المستخدمة في تشييد منشآت المطارات من مبانٍ وأرضيات وطرق ومدرجات.

وفضلاً لا تنس روائع الزجاج حولك، من المرآة التي ننظر إليها في بداية كل صباح، إلى النوافذ التي تسمح لنا برؤية ما حولنا بدرجات مذهلة من الوضوح والحماية، وكل هذه مكونة أساساً من الرمال. وأتذكر سيارة أحد زملاء الدراسة التي انكسر زجاجها الأمامي ولم يستطع زميلي أن يستبدله بالجديد. كنا نجوب شوارع القاهرة بنظارات الغطس حماية لعيوننا.. تخيل المنظر.. وبسبب المعاناة الشديدة البصرية والنفسية، تعلمنا أن نعشق نعمة الزجاج. وقبل أن تحسب أن الرمال هي من مكونات التقنيات القديمة البسيطة، فتأكد أن أحدث التقنيات التي نستخدمها اليوم تعتمد أساساً على الرمال وتحديداً على خصائص عنصر السليكون المستخرج منها.. من الهاتف الجوال في جيبك، إلى مكينة السحب الآلي البنكية، إلى ملايين الحواسيب التي تيسر تقنيات الحياة.

ومن المعلومات الغريبة في عالم التراب هي تحديات التراب السياسية وتحديداً الاتهامات الموجهة لبعض الدول في الاستخدامات غير المقبولة للتراب. وفي مقدمة تلك الدول نجد سنغافورة فهي جزيرة صغيرة تعاني من ضغوط نمو تتم معالجتها من خلال العديد من السياسات ومنها ردم الشواطئ لزيادة حجم المعمورة. وتم اتهام هذه الدولة بالحصول على التراب بطرق «غير مشروعة» من بعض الدول المجاورة.

أمنيـــة:

أكرمنا الله بالعديد من النعم التي لا ندرك أبعادها ومنها التراب الذي نراه، ونمشي فوقه يومياً دون أن نتأمل في عظمته. وقد ركزت على الرمال في هذا المقال، وسأتطرق إلى المكونات الأخرى للتراب في المقالات القادمة. أتمنى ألا نقلل من شأنه، فهو من أهم ما يضيف إلى راحتنا، ويرفع شأننا اليوم وكل يوم بمشيئة الله تعالى، وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي