بدأت سيارتي تعاني مما يشبه العطس المزمن في الصباح الباكر، وجاء التشخيص لهذه الحالة أن محركها يعاني من الكربنة، يعني «الزرجنة» بسبب عدم اتزان خلطة الوقود والهواء اللذين يدخلان المحرك بإذن الله من خلال الحقن بإدارة البخاخات. وتستخدم صفة المكربن لوصف حالة غضب أو عدم اتزان نفسي. وأعتقد أن الموضوع بحاجة إلى وقفة تأمل من جميع العناصر الطبيعية التي أنعم الله علينا بها والبالغ عددها ٩٢. يحتل الكربون مكانة خاصة جدا فهو يتمتع بأعلى درجة انصهار بين جميع العناصر الطبيعية، ويتمتع أيضا بخاصة عجيبة، ففي بعض من أشكاله يكون أكثر العناصر نعومة وهو ما نلمسه في استخدامنا للأقلام الرصاص (والتي لا تحتوي على الرصاص)، ويكون في أشكاله الأخرى أقوى العناصر الطبيعية عندما يبهرنا بصفات الألماس، وسبحان الخالق أن كليهما كربون. تركيبته تجعله أكثر العناصر «العشرية» بكسر العين وفتح الشين، فهو يعشق الاتحاد بأغرب الطرق، سواء كان ذلك مع جماعته أو مع أعداد كبيرة من العناصر الأخرى. وكمثال على ذلك، فإن عدد المواد الكربونية يفوق العشرة ملايين.. من خلايا أجسامنا، إلى مأكولاتنا، إلى أدويتنا، والأشكال المختلفة من الوقود الذي نستخدمه، والغالب أنك الآن محاط بمجموعة عناصر كربونية لا حصر لها، من ملابسك، إلى الكرسي الذي تجلس عليه، إلى الورق بين أيديك. كلها نعم تحتوي على الكربون بشكل أو بآخر. وللعلم فتوجد تخصصات في عالم الكيمياء في مجال المواد الكربونية وعلى رأسها الكيمياء العضوية، والكيمياء الحيوية.

ومن روائع الكربون أنه أصبح من أهم عناوين التقنيات الحديثة. والقصة بدأت في عام ١٩٨٥ عندما اكتشف ثلاثة علماء إحدى الجزئيات العجيبة لعنصر الكربون. وتحديدا اكتشفوا ستين ذرة كربون متجمعة في شكل كرة قدم. ولم أقل ما يشبه كرة القدم، أو كأنه شكل كرة قدم، فالشكل هو شكل كرة القدم، شكلا كرويا يتكون من اثني عشر شكل خماسي، وعشرين شكلا سداسيا يتلاقون في ستين نقطة. وكل من تلك النقاط هي ذرة كربون. الشاهد أن العلماء الثلاثة فازوا بأعلى درجات التكريم على اكتشافهم: جائزة نوبل في الكيمياء، وأطلقوا على ذلك الجزيء اسم «بك منستر فولرين» على وزن «بكم نسعر الفيتامين»، وأصبح هذا الجزيء من أهم الاكتشافات الحديثة نظرا لأن أحد مشتقاته هو أشبه بالأنابيب الطويلة جدا، وقد أطلق عليها اسم الأنابيب النانوية nano tubes، وهي من أروع الاكتشافات الحديثة في مجال تطبيقات النانو. وقد فتح الكربون هذه البوابة فجمع شمل العديد من التخصصات ومنها علم الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والهندسة بالعديد من فروعها المختلفة لتنصب على أبحاث النانو. وللعلم فمصطلح النانو يرمز إلى ما هو صغير جدا جدا. ولتخيل المقاييس النانوية، فحجم كرة (بكم نسعر الفيتامين) الكربونية المذكورة أعلاه نسبة إلى كرة القدم الحقيقية يعادل تقريبا حجم الكرة الحقيقية إلى حجم الكرة الأرضية.

أمنية:

في ضوء ما نعرفه عن خصائص الكربون والتطبيقات الكربونية المذهلة التي اكتشفها العلماء حديثا، أتمنى أن نعيد النظر في استخدام صفة العكننة لهذا العنصر الرائع، فهو من نعم الله الواسعة الاستخدامات. وسأتوقف هنا لأن المقال أصبح مكربنا جدا. وللحديث بقية عن تكوين الكربون في أغرب الأماكن خارج الكرة الأرضية بأكملها بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.

 * كاتب سعودي