ما إن أشرف أحد الفرسان العرب القادمين من أعماق الجزيرة العربية خلال فتح شمال أفريقيا على أراضٍ خضراء يانعة تسر الناظرين بعدما أنهكتهم الصحراء منذ خروجهم من دلتا مصر حتى قال مقولته المشهورة والله إنها «لتؤنس» هذه الخضراء، ومن يومها أصبح اسم تلك البقعة من الأرض تونس.

إنها حكاية تونس مع أبناء الجزيرة العربية وفرسانها وملوكها الذين أحبوها من أول نظرة، امتدت تلك الوشائج من المحبة والتقدير من الفرسان العرب الفاتحين حتى الملك عبدالعزيز وأبنائه الملوك من بعده.

لكن دعونا نستعرض عمق العلاقة السعودية التونسية في شكلها الحديث ووقوف الرياض مع تونس في نضالها من أجل الحصول على الاستقلال رغم تشابك العلاقات وصعوبة الحركة الدبلوماسية في تلك الفترة العصيبة من تاريخ العرب وكانت معظم الشعوب ترزح تحت الاحتلال.

كانت تونس ترزح تحت الاستعمار الفرنسي الثقيل وكانت تغلق الأبواب والنوافذ في وجه التونسيين حول العالم وتقطع عليهم الطريق خشية نجاح مشروعهم الاستقلالي، فقد كانت ملكة أفريقيا وإحدى الدول العظمى، وفي العام 1951 بدأ الحبيب بورقيبة زعيم حركة الاستقلال التونسية بجولة من الزيارات لشرح معاناة الشعب التونسي وتوقه للتحرر من الاستعمار، كان من ضمنها زيارة للسعودية التي كانت وقتها دولة ناشئة فقيرة «على قد الحال» تكافح من أجل لقمة العيش وإثبات وجودها على الساحة الدولية.

كان قائد ثورة الاستقلال الحبيب بورقيبة يحاول إنشاء تكتل دولي يدعم قضيتهم التونسية وجمع الأموال من أجل الكفاح المسلح ضد الاستعمار الفرنسي، لم تنجح الجولة في تحقيق أهدافها خاصة الجانب المالي منها، نظرا لحساسية العلاقة مع فرنسا والعالم الغربي، إلا أن بورقيبة فوجئ خلال لقائه الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود يقول له نحن لا نمتلك الكثير من المال لكننا سنقتسم معكم ما نستطيع، وبالفعل كانت تلك الأموال هي نواة التأسيس للإعداد للكفاح المسلح الذي استخدمه التونسيون فيما بعد لطرد المستعمر الفرنسي الذي لم يستجب للدعوات الدبلوماسية.

على الصعيد الدولي لم يتسن لبورقيبة أن يعلن عن طموحات شعبه وتوقه للاستقلال عبر المنابر الأممية والطرق الدبلوماسية، فقد كان الحصار السياسي الفرنسي شديدا على حركة الاستقلال ويمنعون ظهورها في المحافل واللقاءات ويحثون الدول على ملاحقة أعضائها وعدم استقبال وفودها وخاصة الزعيم بورقيبة. إلا أن السعوديين الذين استشعروا أهمية رفع صوت تونس في المنابر الدولية رتبوا للزعيم التونسي الحبيب بورقيبة خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أن يتحدث بصوت تونس والتونسيين للعالم رغم كل الممانعات التي واجهها ورفض طلباته العديدة بإلقاء كلمة في اجتماعات المندوبين.

الملك فيصل رحمه الله كان وزيرا للخارجية حينها ورئيسا لوفد المملكة، اتفق الأمير فيصل مع بورقيبة على أن يجلس ضمن الوفد السعودي وعندما تحين كلمة المملكة يقوم الأمير فيصل من مقعده ويجلس مكانه بورقيبة ليتحدث عبر هذه المنظمة الدولية عن قضية تونس العادلة، وهذا ما حصل حينما صدح التونسيون من مقعد المملكة العربية السعودية في الأمم المتحدة ضد الاستعمار وأعلنوا عبر «دهاء» سياسي سعودي عن مطالبهم العادلة أمام العالم كله، تلك كانت واحدة من حكايات العلاقات السعودية التونسية وواحدة من مواقف لا حصر لها للرياض مع أشقائها العرب.

* كاتب سعودي