فوجئت بأن خزان الوقود في سيارتي يعاني من الصدأ الداخلي، طبعا البنزين لا يسبب الصدأ، ولكن الرطوبة في الهواء بداخل «التنكي» قد تسبب الصدأ بعد سنوات كثيرة من الاستعمال، وخصوصا لمن لا يملأ خزان الوقود دائما. وسيارتي الآن أصبحت من «ذوات الخبرة»، بعد أكثر من عشر سنوات من الخدمة. الشاهد أن استبدال تنكي السيارة مكلف للغاية، والله يستر. ووجدت أن موضوع «التوانك»... جمع تنكي... يستحق وقفة تأمل، وإليكم بعض من غرائبها: عندما تجلس في رحلة من جدة إلى الرياض على متن طائرة الإيرباص 320، فالغالب أنك ستكون جالسا فوق حوالى عشرة آلاف كيلوغرام من الوقود مخزنة في الخزان الرئيس تحت مقصورة الركاب بين جناحي الطائرة، علما بأن الطائرة تحتوي على خمسة خزانات، أربعة منها بداخل الأجنحة. وأما لو كنت مسافرا من جدة إلى «لوس أنجلوس» على متن طائرة «البوينج 777»، فستكون جالسا فوق حوالى مائة وثمانين ألف لتر من الوقود، ووزن تلك الكمية الهائلة يبلغ حوالى مائة وخمسة وأربعين ألف كيلوغرام، ستجدها موزعة أيضا بداخل الجناحين، وتحت مقصورة الركاب. وفي بعض الطائرات، يستخدم الوقود للتحكم في اتزان الطائرة أثناء تحليقها، وربما كان أشهرها في طائرة «الكونكورد» الأسرع من الصوت، والتي كانت تستخدم حوالى 12% من الوقود بداخلها للتوازن فقط لا غير. ولكن من أغرب الخزانات على الإطلاق ستجدها في مركبات الفضاء. في منظومة المكوك الفضائي كان خزان الوقود هو أكبر القطع وأغربها. كان طوله حوالى 47 مترا، ما يعادل طول حوالى عشر سيارات لاندكروزر، وقطره يعادل طول سيارتين من طراز هونداي «إلنترا». وأما وزنه فارغا كان حوالى 26 ألف كيلوغرام، وعند امتلائه يحمل بجوفه حوالى مليوني لتر من الوقود. أغرب من الخيال. وكان يصل وزنه إلى سبعمائة وستين ألف كيلوغرام، ويفوق ذلك وزن مائة وأربعين فيلا أفريقيا بالغا. وعند انطلاق المركبة الفضائية، كانت تستهلك كامل محتويات الخزان العملاق خلال فترة حوالى خمسمائة ثانية فقط. ولكن الغريب في الموضوع كان تركيبة الوقود في هذا الخزان العجيب: كان عبارة عن كمية هائلة من الأوكسجين السائل في الخزان العلوي، وكمية مهولة من الهيدروجين السائل في الخزان السفلي. وللحفاظ على تلك الخلطة في الوضع السائل لكلا الوقودين، فكان لابد من تبريد الخزانين إلى درجات تفوق الخيال. كانت تصل إلى 252 درجة تحت الصفر لخزان الهيدروجين، و135 تحت الصفر لخزان الأوكسجين. وللمقارنة، فالفريزر في ثلاجة منزلك يعتبر «فرنا» بالنسبة لهما فهو لا يقل عن حوالى عشرين درجة تحت الصفر. وللعلم، فأثناء عمليات انطلاق المركبات الفضائية تشاهد قطعا بيضاء تتساقط حول جسم الصواريخ، وهي عبارة عن تجمد الرطوبة وتحولها لقطع ثلجية بسبب الحرارة المنخفضة على سطح «التنكي».

أمنيــــة

وأخيرا، أود أن ألقي الضوء على أهم الصهاريج، وأقربها إلى القلب، وهي تلك التي تحوم في أجواء الوطن بقيادة صقورنا البواسل. والمقصود هنا هو رجال قواتنا الجوية الذين يقومون بتزويد المقاتلات بالوقود جوا لحماية أجوائنا على مدار الساعة. هذه الطائرات هي عبارة عن صهاريج جوية عملاقة. تطير بدقة متناهية في الزمان والمكان الأفقي والرأسي لتقابل المقاتلات المتعطشة للوقود. وتوفر لها بمشيئة الله قدرات الطيران للمدى التي تحتاج. ويحسب وقت المقابلة بالثانية، ومكان المقابلة بالمتر، والارتفاع بالقدم، وكلها بمنتهى الدقة. وتعمل هذه الصهاريج المتقدمة على مضاعفة قدرات القوات الجوية السعودية المتميزة بشكل يفوق الوصف. وقد انضمت أحدث الطائرات من طراز إيرباص MRTT إلى أسطول قواتنا الجوية لتزيدها فعالية وتألقا. أتمنى أن نتذكر الدور الجبار الذي يقوم به هؤلاء الأفاضل لحماية الوطن بهدوء ودقة، اليوم وكل يوم، بدون أعذار أو استعراض، وبتوفيق من الله عز وجل، وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي