اقترح الأستاذ مشعل السديري (الشرق الأوسط) أن تؤمن الخطوط السعودية أكياسا من الرمل لمن أراد أن يصلي الفريضة على متن الطائرة بدلاً من استخدام الحمامات للوضوء وتركها في حالة يرثى لها، وقد تطفح هذه المياه وتملأ أرضية المقصورة، علاوة على ما يتركه البعض من أوراق التنشيف دون مراعاة لمشاعر الآخرين، كما أورد الأستاذ السديري في مقالة أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد صلى قصراً وجمعاً وهو جالس على ناقته، وهذه مغالطة كبيرة في حق نبي الأمة، فالصلاة على الراحلة إن كانت فرضاً لا تصح تماماً، كما أكد على ذلك عدد من علماء الأمة منهم ابن قدامة في كتابه (المغنى) والبهوتي في (الكشاف) والطاسان في (الجوامع) والماوردي في (الحاوي)، وهذا الحكم مأخوذ (بإشارة النص) من القواعد الأصولية اللغوية وهذه الإشارة (حجة في بناء الأحكام)، والمراد منها النص المعنى الذي لا يتبادر فهمه من ألفاظه ولا يقصد من سياقه ولكنه معنى لازم للمعنى المتبادر فهو مدلول اللفظ بطريقة الالتزام، وكانت دلالة النص عليه بالإشارة لا بالعبارة مثل ذلك قوله تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) فيؤخذ من هذا النص بالإشارة إلى أن حاجز الزمان والمكان مرفوع بين الرسل والأنبياء. وإشارة النص التي أخذ منها حكم الصلاة على الراحلة قوله عليه الصلاة والسلام (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) فمن كان محمولا على الدابة لا تكون له الأرض مسجداً، وبالقياس «وهو مصدر من مصادر التشريع» تكون أيضاً الطائرة لا تصح إقامة الصلاة عليها وهي في الجو، وعليه يكون الأصل في أداء الصلوات فريضة كانت أو نافلة أنها لا تصح إلا على الأرض مستقراً عليها. ثم استثنى صلاة النافلة من ذلك بجواز أدائها على الراحلة لحديث جابر بن عبدالله (كان رسول الله يصلي على راحلته حيث توجهت فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل القبلة)، واستدل بهذا الفقهاء على أن الفريضة لا تصح على الراحلة، وقال (النووي في شرح مسلم) من هذا الحديث دلالة على جواز النفل على الراحلة في السفر حيث توجهت، ودليل على أن الصلاة المكتوبة لا تجوز إلى غير القبلة ولا على الدابة وهذا مجمع عليه إلا في شدة الخوف، فصلاة الخوف لها أحكامها الخاصة كما وردت في سورة النساء، وقد أداها رسول الله بأصحابه مرات بصفات مختلفة.

إن الصلاة المكتوبة على المسلم، قد لا تستوفى فيها كل شروط وأركان الصلاة وهو على متن الطائرة والتي منها القيام مع القدرة والطمأنينة في أدائها، بعكس أداء النوافل فيجوز أداؤها قاعداً مع القدرة. ثم كيف تأتي الطمأنينة والطائرة تحلق على ارتفاع 30 ألف قدم وأكثر وقد تهبط فجأة وبدون مقدمات إلى نصف الارتفاع وأقل، غير المطبات الهوائية والتي يعلن فيها طاقم الطائرة وقائدها (بضرورة العودة إلى المقاعد وربط الأحزمة) فكيف بمن كان واقفاً يؤدي الصلاة، من المحتمل أن يختل توازنه ويسقط أو يرتطم رأسه بجدار الطائرة أو سقفها وهذا كله ضد مبدأ الأمن والسلامة المفروض على الطائرة، بل ضد سلامة الإنسان وضرورة المحافظة على حياته من التلف. وقد تبنت الخطوط السعودية فكرة خاطئة بإنشاء مصلى خاص في الطائرة لأداء الصلاة، يتسع لأربعة أفراد وبالتالي يقف المسافرون في ممرات الطائرة في انتظار دورهم للصلاة معرضين أنفسهم للخطر محدثين فوضى في الحركة والمرور، وما عملته الخطوط بدعة محدثة؛ لأن الصلاة في مصلى الطائرة وهي في الفضاء باطلة، ولو كان مستقبلاً القبلة (والتي قد تنحرف وتتغير لحركة الطائرة) ومتيسر له الركوع والسجود إلا أنه في حكم من صلى على راحلة سائرة وهذا يكفي لبطلانها.

لقد أعطى الشارع للمسلم الكثير من الرخص منها قصر الصلاة وجمعها وهي عزيمة عند جمهور الفقهاء وليست رخصة كما هو الحال عند الحنابلة والعزيمة معناها (أن من الواجب في حق المسافر القصر والجمع)، حتى أن الشافعية والحنيفية قالوا إن من أتم الصلوات في السفر فقد أساء وعليه الإعادة حتى ولو خرج وقتها. وقد جمع رسول الله بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء دون مطر أو مرض أو سفر وقال حتى لا تحرج أمتي.

لقد أخر رسول الله أربع صلوات متتالية عن وقتها في غزوة الخندق ثم أمر بلال فأذن ثم أقام الصلاة فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء، أخرجه (البخاري فتح الباري) (والنووي شرح مسلم)، إن ما سنه الإسلام لازال باقياً لصفائه ونقائه وهو أعدل وأكرم من كل ما اهتدت إليه العقول البشرية من نظم وآراء ومعتقدات، إنه دين العقل والفطرة والإنسانية فهو شريعة الروح التي تهذب النفس وتحافظ عليها وتعطيها حقها المفروض.

* كاتب سعودي