يبدو أن السياق التاريخي للمثقف مرتبط بحالة عزّزتها أدبيات تمرّد ليثبت صاحبها موقفه الناقد واستقلاليته واستغناءه عن صاحب السلطة ويدوّن اسمه في خانة النضال ويحلم بتخليد الجماهير لذكراه وإن تشرد وجاع وبات ليالي وأياماً بلا مأوى وظل يفتش في الطرقات عمّا يقيم الأود.

فيما يتماهى الواعظ مع المبدأ البرغماتي، المناور، والباحث عن فرص لنيل مكاسب من الأتباع ومن ذوي السلطة، وربما لا تجد نموذج واعظ يخجل من مواقفه أو يتوارى من تناقض أقواله وتلخبط أفعاله.

السيناريو تاريخياً مضحك مبك، فهو يُضحك عندما يظن الواعظ أو المثقف أن السُّلطة يمكن أن تصادق توجها ما على حساب آخر. السُّلْطة أذكى من ممالأة طرف بذاته بل هي تحاول الاستفادة من كل الأطياف وتوظيفها لترسيخ شرعيتها وتمرير مشروعها. ومبكٍ عندما يدخل أحدهما في حالة عداء مع سلطة ما خصوصاً عندما يكون أحدهما على صلة أو تواصل مع أطراف تكيد لوطنه.

لكل من المثقف والواعظ مستند تاريخي ولطالما ردد المثقفون اسم الصحابي «أبو ذر» رضي الله عنه، وكيف أنه اختار أن يجهر بالرأي المعارض ما تسبب في نفيه، فيما كان الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه نموذجا للواعظ الحافظ لمكانة السلطة وهيبتها ولذا عندما منعه عمر رضي الله من التحديث التزم الصمت كما ورد.

بالطبع سيقول البعض إن الواعظ أكثر قبولاً اجتماعياً ولن نختلف على هذا كون الواعظ يرى أنه ناطق بالحق ومؤيد بالوحي وبالسلطة وبالناس بينما رهان المثقف على مبادئ وقيم إنسانية.

لعل من تجليات الحقبة الحالية التحول من أفقية القرار إلى رأسيته، ومع دخولنا طور تحولات يجب أن لا نعلي الذاتي على الموضوعي فزمن الواعظ يريد والمثقف يريد والسلطة تريد ولّى ولا نريده أن يعود لأن ثقتنا وإيماننا بقيادتنا يضعنا في ثغر التصدي لكل من يريد الإساءة والتطاول، ويكفي أن يكون الواعظ والمثقف مواطنين لهما ذات الحقوق وعليهما ذات الواجبات، فيما قيادتنا أدرى بما هو أصلح وعلى كل مكون الانشغال بما يخصه.

الحزبيون المؤدلجون بالطبع لهم وضع مختلف، وما يعنينا هو المواطن الصالح المنتمي لبلد الحرمين الشريفين والذي بيعته لقيادته السعودية.