أحياناً يخطئ الإنسان، تنساق رجلاه انسياق حبلين متدليين تحركهما الريح حيث شاءت وتنزلق رجلاه من حيث لا يدري، ينسى نفسه في حاله غضب أو غيرها، فيتورط ويقع في المحظور، ويسقط أرضا، مرتكبا خطأ عابرا بسيطا أو جسيما يجر إلى ندم دائم، ويعيش منذ تلك اللحظة تحت برج الاضطراب، تلتف عليه الهواجس كما تلتف العائلة حول المدفأة، وينشغل باله بالعقوبة القضائية المنتظرة، يصبح الحكم الآتي خطرا داهما يهدده، ووحشا يترصد حركاته وسكناته، هائم يبحث عن نفسه خارج نفسه، التوترات النفسية تسلبه نومه، تهاجمه الخيالات، يبقى مستيقظا وهو في أشد الحاجة إلى النوم، القاضي والمحكمة والجرم الذي اقترفه يتحول إلى شريط سينمائي طويل مرعب يزوره قسرا من حين لآخر، شريط مفزع، وزائر غير مرغوب فيه لكنه لا ينفك عن زيارته، ويبحث عن من يدثره برد الشتاء ويحميه من وهج الحر، يتحول إلى غريق في كثبان من رمل يبحث عن ذيل بعير يتمسك به، طير مبتور الجناح، يبحث عن جاذبية ترفعه إلى السطح، ويظهر المحامي والصديق والحبيب والرفيق والأهل والمعارف في المشهد، ولكن يظل القاضي هو الحاكم والفصل الذي يرسل المذنب إلى عالم السجون المظلمة الدامسة والتي تفصله عن الحياة، تلصق خده بالأرض لصقا، تجعله لا يرى من العالم سوى حذاء السجان وهو يقطع كامل الممر غاديا رائحا، ويتحول هذا الإنسان الذي كان طليق الفضاء أسيرا خلف القضبان، يعد الأيام وخطى السجان، هناك أحكام كالقسم ثلاثا عند الطلاق، وهناك أحكام تشد المخطئ مرة أخرى إلى الحياة، تأتي على شكل تطهير ومصباح مضيء تخرج المذنب من الظلمة الدامسة للنور، تغير الشخص المذنب للأفضل، تجعل من عقابه رحلة إيجابية، يعاقب القاضي ما فعله المذنب بجزاء من نفس العمل، يستغني عن السجن بالعمل الاجتماعي، فروح القانون منطقة فكرية اجتهادية قادرة على استيعاب أخطاء البشر وتغيرهم ليكونوا مواطنين نبلاء أسوياء، في الغرب ظهر ومنذ زمن بعيد قضاة يفكرون خارج صندوق العقوبات التقليدية الصارمة الجافة، قضاة يفكرون بفلسفة جديدة ينصب مفهومها في كيفية إعادة بناء الإنسان، وإعادة القطار المنحرف للسير على قضبانه من جديد لتستمر رحله الحياة، قضاة يصارعون من أجل أن يقف من سقط ليقف على قدميه، فالسلحفاة التي انقلبت على ظهرها يمكن وبحركة بسيطة إعادتها للسير بقلبها وبخفة، من أبرز هؤلاء القضاة «مايكل سكونتي» قاض أمريكي يعيش في ولاية «أوهايو» كائن من نوع آخر، يمارس عمله بحب كأنه يمارس هوايته المفضلة، له انتماء كبير للضوء والشمس والبذور البيضاء وزرع الصحاري بالورود وإعمار الأرض، يبعث برسالة دائمة في كل حكم يصدره، وهو«أنه على القاضي أن يزرع في الأرض بذور الأمل كل يوم» تعالوا نرافق هذا السبعيني في أحكامه لنتعرف عن قرب كيف يمكن للقاضي أن يصبح أثرا عظيما في تحقيق الاستقرار للمجتمع، فالأمه التي تعيش في أمان وسلم يشعر الإنسان بالانتماء لترابها، حكم على 7 شباب بزرع 70 شجرة بعد قطعهم أشجارا عامة وبيعها كحطب، حكم على مراهق لطم مسنا بالخدمة في دار المسنين ولمدة شهرين، حكم على رجل سكران «وضع قطته بالفرن» بإطعام القطط في حديقة «بنسلفانيا» لشهرين كاملين، حكم على شخص سرق «سي دي» من أحد المحلات بعقوبة الوقوف أمام المحل ولمدة أسبوعين، وهو يحمل لوحة كتب عليها «السرقة عمل مشين» وحين قبضت الشرطة على أحد الأطباء بتهمه شراب الكحول أثناء القيادة، خيره بين السجن 6 شهور أو إلقاء محاضرات في المدارس عن أضرار الكحول، وحكم على فتاة صدمت شاباً بسبب انشغالها بالجوال بعقوبة عدم استخدام الجوال ولمدة عامين، وحكم على فتاة أخرى تهربت من دفع أجرة التاكسي بالسير مشياً نفس المسافة، حكم على شاب قام برمي الفضلات في الشارع بارتداء لباس عمال النظافة وتنظيف الشارع، والقائمة تطول؛ آخرها «قضية المبتعثة تهاني المنيع صاحبة مقطع المحاكمة المرورية والتي استضافها برنامج معالي المواطن» كلها تترجم شخصية قاض يؤمن بالتوجيه، ولديه مقبرة جاهزة لدفن الزلات ومعالجتها بأدوات رادعة غير السجن، فكر قضائي مبتكر لم نتعوده يتمثل في حق القاضي في الاجتهاد والارتقاء بالقضاء ليحكم بروح القانون لا نصه، فالقانون والعقل غير منفصلين بل إن اتحادهما هو الحياة بعينها، هل أضيف أكثر لأقرب الصورة، أعرف أنكم مقتنعون تماماً بقوله صلى الله عليه وسلم «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» كان يقصد القاضي فالقاضي حاكماً، لن أضيف أكثر فقناعتكم تكفيني!

* كاتب سعودي

fouad5azab@gmail.com