تنقسم الدول العربية في أنظمتها السياسية إلى نوعين: دول ملكية ودول جمهورية، بالنسبة للدول الملكية فقد شهدت حالة من الاستقرار السياسي على امتداد العقود الخمسة الماضية، وأحد أهم أسباب الاستقرار هي الانتقال السلس للسلطة. أما بالنسبة للدول الجمهورية فقد كانت هنالك مشكلات على الدوام في تداول السلطة، خصوصاً مع عدم وجود آلية واضحة للانتقال. وهنا لا نتحدث عن الديمقراطية أو عدمها، وإنما نتحدث عن آليات السلطة. بالنسبة للديمقراطية فمن الواضح أن انتماءات ما قبل الدولة، كالانتماءات القبلية والعشائرية والمناطقية هي أقوى من الانتماء للدولة، فتصبح الديمقراطية والفوضى صنوين لا يفترقان، وفي أحسن الأحوال فنحن نتحدث عن أنظمة شبيهة بالعملية السياسية في العراق ولبنان وهذه أنظمة ليست مشجعة لأي أحد.

مما لا شك فيه أن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة جاء في مرحلة استثنائية وقد لعب دوراً كبيراً في المصالحة الوطنية التي أعقبت الحرب الأهلية وما يسمى في العقل الجمعي الجزائري العشرية السوداء. وبالفعل استطاع الرجل أن يعيد الأمن والطمأنينة إلى الوطن الجزائري. إلا أن المشكلة الأساسية كانت في عملية الانتقال السياسي في الجزائر فكان الخطأ الكبير الذي وقع فيه النظام السياسي ووقع فيه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة هو أنه تجاهل هذه المشكلة حتى اللحظة الأخيرة. المرحلة الانتقالية كان يجب أن تترسخ في العهدة الرابعة وحتى ما قبل ذلك لأن ما يحدث الآن في الجزائر كان مسألة وقت لا أكثر وكان سوف يحدث بأي حال من الأحوال ولم يكن شيء ليمنع حدوثه سوى تلك المرحلة الانتقالية التي يتحدث عنها الرئيس.

من المؤكد أن هنالك تناقضين على الصعيد الجزائري، التناقض الأول هو بين المحتجين في الشارع والنظام، والتناقض الثاني هو بين أركان النظام نفسه على اعتبار أن هنالك أجنحة باتت تتصارع ولم تستطع الاتفاق على خليفة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة.

‏ في التناقض الأول مما لا شك فيه أن هنالك رغبة بإجراء تغييرات أساسية وجوهرية، بمعنى أكثر وضوحاً تغييرات عميقة في النظام السياسي، وقد عبر الشارع الجزائري ونخبه الفكرية والأكاديمية والاجتماعية عن ذلك بشكل واضح. أي تأخير في معالجة هذا التناقض سوف يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات وعدم الوصول إلى الهدوء الذي يتوخاه الرئيس من خلال قراراته الأخيرة، خصوصاً أن هنالك شعوراً بأن رئيس الدولة أو الأكثر دقة مستشاري الرئيس باتوا يجلبون مزيداً من النقمة في أي إجراءات يقومون بها.

‏التناقض الثاني وهو تناقض خفي ولكن نتائجه واضحة، وهو بين أعمدة النظام ومراكز القوة فيه التي لم تستطع الاتفاق على خليفة للرئيس عبدالعزيز بوتفليقة خلال السنوات الماضية، وبالتالي أجلت الاتفاق حوله حتى اللحظة الأخيرة. وهذا التناقض لم يستطع النظام التغلب عليه.

إذاً الخطوات الأخيرة والقرارات التي أصدرها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة كانت تتوقع شراء مزيد من الوقت من أجل الوصول إلى اتفاق ما بين مراكز القوة على شخصية تستطيع أن تحكم الجزائر وأن تكون محل إجماع من القوى الداخلية والخارجية. الأيام القادمة سوف تكون مهمة للغاية لمعرفة إذا ما كانت القرارات استطاعت أن تمنع الانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار وأن تقنع الشارع بالتراجع عن الاحتجاجات وأن تقنع الأطراف التي تريد الضغط من خلال الشارع بأنها تستخدم سلاحاً ذا حدين يمكن أن يكون مؤذياً للحياة السياسية في الجزائر وخطره على الدولة برمتها.

على المخلصين وخصوصاً أولئك الذين يريدون التغيير في الجزائر أن يدركوا أن التغيير من خلال النظام هو التغيير الأقل كلفة إذا ما قورن ذلك بالخيارات الأخرى المطروحة أمام الشعب الجزائري ونخبه السياسية والاجتماعية لأن الانزلاق إلى حالة من عدم الاستقرار سوف يؤدي إلى نشوء التنظيمات الإرهابية والراديكالية، وبالفعل الجزائر عانت خلال عقد التسعينات من حرب أهلية. حالة عدم الاستقرار التي يمكن أن تصيب البلاد تحمل شبح عودة تلك التنظيمات الإرهابية مرة أخرى، وبالتالي ذلك سوف يدخل الجزائر مرة أخرى في وضع سيئ. والحقيقة أن التجارب العربية في التغيير من خلال الشارع أو في محاولة إجبار الأنظمة على التغيير لم تكن مشجعة في مصر أو سورية أو اليمن أو ليبيا. لذلك الخيار الذي وضعه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة يبدو الخيار الأكثر وجاهة بالمقارنة مع الخيارات الأخرى المطروحة، وهو بكل تأكيد قد يحقق جزءاً هاماً مما أراده المتظاهرون، وقد لا يلبي بعض المطالب الأخرى، ولكن بكل تأكيد ذلك أفضل بكثير من مصير يمكن أن تتعرض له الجزائر شبيه بمصير الدول سابقة الذكر.

‏نسأل الله أن يتفق العقلاء من النخب الجزائرية على مخرج يجنب الجزائر مصير الدول العربية سالفة الذكر، لأن النتائج لا تتعلق بهذا النظام أو ذاك ولا بهذا الرئيس أو ذاك، وإنما بمصير أمة ودولة ومواطن سوف يدفع ثمناً باهظا لأي تلاعب بمصيره.

* باحث في الفلسفة السياسية، خبير في قضايا الشرق الأوسط

ramialkhalife@