تنويع سلة السياسة السعودية ليس جديداً، إنها استراتيجية مستمرة منذ تأسيس المملكة في دولتها الثالثة، فالملك عبدالعزيز -رحمه الله- رغم وجود ألمانيا وإنجلترا وفرنسا وهي القوى العظمى في ذلك الوقت التفت نحو الاتحاد السوفيتي وأقام مع موسكو أول علاقات دبلوماسية للمملكة الناشئة مع الخارج وأرسل الملك فيصل -الأمير حينها- لزيارتها وبناء علاقات اقتصادية وافُتتح لها سفارة في المملكة، وفي الجانب الآخر من العالم اتجه المؤسس إلى الولايات المتحدة الأمريكية القوة الصاعدة في ذلك الوقت والتقى مع رئيسها روزفلت في البحيرات المرة في مصر ودشن معها علاقات استراتيجية مستمرة لليوم.

ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يرسخ مرة أخرى المنهج الدبلوماسي السعودي القائم على توسيع الخيارات السياسية وإنشاء التحالفات الاقتصادية والعسكرية مع كل القوى الدولية، خاصة تلك الصاعدة منها التي لديها مقومات النمو، فبعد أن أنهى زياراته للولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بداية العام والعالم العربي نهاية العام الفائت، يستهل السنة الجديدة بالاتجاه هذه المرة نحو الشرق حيث ثلاث من القوى الكبرى الصاعدة في الاقتصاد والصناعات العسكرية «باكستان - الهند - الصين» تمتاز بمخزون سكاني يتجاوز مليارين وسبعمائة مليون نسمة وبطموحات اقتصادية ونتائج نمو غير مسبوقة.

هذه الكثافة السكانية هي سوق ضخمة للمملكة سواء في سلعتها الأساسية «النفط»، أو كمصدر للاستثمارات الطموحة لصندوق الاستثمارات العامة، إضافة للاستفادة منها للترويج للقوة الناعمة السعودية، فالباكستان تضم أهم مكون سني في شرق آسيا وهناك جاليتان إسلاميتان كبيرتان في الهند والصين يمكن للرياض أن تكون جسرهما نحو «الآخر» معبرة عن همومهم ومقدمة لهم النموذج والقدوة الدينية المتسامحة في عالم يتجه إلى التعايش والتسامح الديني بعيداً عن فكرة صدام الحضارات.

أما لماذا الباكستان والهند والصين فلكل دولة منها تفاصيل خاصة مع الرياض، إضافة إلى العلاقات المشتركة البينية بين الدول الأربع مع بعضها البعض أو بينها وبين الرياض طوال الثمانين عاماً الماضية، إنه حلف بين نصف العالم.

فالصين هي العمود الثالث في العالم بعد واشنطن وموسكو، وربما تصبح الأول في العقدين القادمين، وطريق الحرير القادم من بكين ويمر عبر الهند ثم باكستان لا محالة يجب أن يصل إلى السعودية في اتجاهه نحو أوروبا وأمريكا، ومن هنا فالعلاقات بين الأطراف الأربعة تعني أن الرياض ستكون «رمانة التوازن» بين تلك الدول المتنافسة أحياناً والمختلفة أحياناً أخرى حول مصالحها وحدودها وأقلياتها لتحقيق مستقبل اقتصادي واعد ينتظر المنطقة.

الصين ببناء طريق الحرير في نسخته الجديدة ترسخ خطها الاستراتيجي الناعم من خلال بناء اقتصاد وأسواق جديدة في المناطق النائية والمعزولة، وقد نجح ذلك كثيراً في أفريقيا عندما اخترقت تلك المنطقة المهملة من العالم ورسخت وجودها.

الهند المثقلة بالفقر في بنيتها الاجتماعية والطموحة جداً للانعتاق منه، تتميز بأن ليس لديها طموحات توسعية خارج قارتها الهندية غير أن تبني اقتصادها والرفع من مستوى معيشة أكثر من مليار نسمة، وأن تكون البنك الاستراتيجي للعمالة النوعية، فعلى سبيل المثال ها هي تخرج من عمال «التكنلوجيا والإنترنت» لتعود إلى الاقتصاديات التقليدية لتكون مخزن الأدوية والطب في العالم.

الباكستان ذات الاقتصاد العليل والكثافة السكانية التي تكاد تلامس مئتي مليون والمشاكل المتراكمة، هي العمق الإسلامي للسعودية شرقاً وهي الحليف العسكري المهم، تريد أن تفوز بحصة من طريق الحرير، وخصوصاً أنها آخر نقطة لقطار البضائع القادم من أواسط الصين حاطاً رحالة في ميناء «جوادر» على بحر العرب.

بالتأكيد نحن أمام إعادة تموضع اقتصادي وسياسي وربما عسكري مستقبلاً ليس بين الدول الأربع فقط، بل في العالم كله، وقدر الشرق الأوسط أنه خزان الثروات المالية ومنطقة وسط في طريق النقل، ولذلك اختارت الرياض الاقتصاد باباً نحو المستقبل.

* كاتب سعودي