تاريخ قواتنا الجوية المتميز يستحق عشرات المقالات. منذ إنشائها عام 1916 استطاعت بفضل الله أن تصل إلى مستوى يضاهي أفضل الدول دون أي مبالغة. ومن خلال القراءة الدقيقة لمسيرة القوات، تجد محطات كثيرة تستحق وقفات تأمل، وإعجاب، ومنها اختيار وتشغيل طائرة سابقة لزمانها اسمها «النمر» الإف 5. وحرف الإف يدل على كلمة «مقاتلة» Fighter وقد يضاف إليها حروف أخرى مثل «إف إيه» لترمز لمقاتلة وقاذفة هجومية F/‏A Fighter Attack أو «آر إف» لترمز لمقاتلة وطائرة استطلاع RF Reconnaissance Fighter. وعموما فهذه المسميات أمريكية وتستخدم أيضاً في حلف الناتو ولكنها لا تستخدم بالضرورة لدى القوات الأوروبية. الشاهد أنه خلال الخمسينات الميلادية من القرن الماضي شهد تطور عالم المقاتلات معدلات نمو هائلة، وتطورات مذهلة. وكان اتجاه ذلك التطور العام في زيادة القوة، والسرعة، والحجم، والتعقيد. وفي نهاية الخمسينات، أتت شركة «نورثروب» الأمريكية بفكرة خارج الصندوق تماماً لتصمم مقاتلة سريعة تفوق سرعتها سرعة الصوت، ولكنها بسيطة التصميم، خفيفة الوزن، رشيقة الحركة وسهلة المناورة، وصغيرة الحجم، وقليلة التكاليف، و«حمالة آسّية». وكان ذلك عكس الاتجاه السائد في صناعة المقاتلات الحربية. وللعلم فكان «جون نورثروب» مؤسس الشركة قد اكتسب خبرة هائلة من خلال عمله مع الشركات الرائدة في صناعة الطيران الأمريكية. شركات مثل «لوكهيد»، و«دوجلاس» قبل أن يؤسس شركته المبدعة. ونجحت شركة «نورثروب» في تصميم وتصنيع المقاتلة الصغيرة التي كانت فريدة بمعنى الكلمة: استخدمت دفع محركين صغيرين خفيفين بدلاً من محرك واحد كبير، وكانت تلك المحركات النفاثة من طراز «جنرال الكتريك» مصممة أصلا لدفع صواريخ موجهة. وكانت صيانة المحركين تعتبر نقلة نوعية في عالم المقاتلات، ليس فقط بسبب حجمهما، وبساطة تصميمها، ولكن حتى وضعيتهما في ما يشبه الصندوق في مؤخرة الطائرة، مما يسمح بسهولة الفك والتركيب السريع جداً.

وكانت الطائرة في بداية مشوارها صغيرة جداً، فكان عرض مقصورة الطيار لا يتعدى عرض الصفحتين التي تقرأهما الآن. وكان حجم جناحيها من أصغر أجنحة المقاتلات النفاثة في التاريخ. ولكن شكلها كان رائعا، فكانت رشيقة و«خالية من الدسم»، فلم يوجد عليها مسمار لم يدرس بحرص، وللعلم فحتى عندما تراها اليوم، تشعر أنها طائرة حديثة جداً بعدما بلغت الستين من العمر. وأما أداؤها فكان المفاجأة الكبرى، فكانت ولا تزال من أفضل المقاتلات في الصعود، والمناورات، والانقضاض. وزودت أيضاً بقدرات التزود بالوقود جواً مما يسمح بمرونة في تشغيلها لمسافات بعيدة، ولفترات طويلة. والدليل على تفوق أدائها أنها لا تزال تستخدم كإحدى المقاتلات الأساسية في المناورات الدورية الشهيرة بالعلم الأحمر Red Flag في القوات الجوية الأمريكية، ومناورات المدفع الأول Top Gun في السلاح البحرية الأمريكي، بالإضافة إلى العديد من القوات الجوية حول العالم شاملة القوات الجوية الأمريكية. وهناك المزيد، فقد تم تصنيعها للقيام بأدوار مختلفة ومنها الاستطلاع RF5 حيث تم تمديد أنفها بحوالى ثلاثين سنتيمتراً، ورفعه قليلاً لوضع كاميرا عالية الدقة للتصوير الجوي الحساس. واستخدمت أيضا كطائرة هجومية للأهداف الأرضية، بالإضافة إلى دورها كمقاتلة جوية متقدمة، واستخدمت في وكالة الفضاء الأمريكية «ناسا» بشكل مكثف لأكثر من خمسين سنة. وتحديا فقد تم استخدام الطراز ذي المقعدين الشهير باسم «المخلب» Talon T 38. وهناك المزيد، فبسبب بساطة تصميمها، تم تصنيعها وتركيبها في العديد من الدول ومنها كوريا الجنوبية، وكندا، وتايوان، وإسبانيا، وسويسرا. والمفاجأة هنا هي تاريخ الإف 5 في إيران حيث خدمت لأكثر من أربعين سنة. وقد قامت مؤخراً مجموعة تصنيع الطائرات الإيرانية الشهيرة باسم «هيصه» HESA بإعادة تصنيع طرازات مختلفة من مقاتلة الإف 5 وأطلقوا عليها أسماء «الصاعقة» و«كوثر» و «أزركش». وأضافوا بعض الإضافات الشكلية لتوحي أن بعضا منها «يعني يعني» من الجيل الجديد.

أمنيـــــــة:

أتمنى أن ندرك أن المملكة كانت من أوائل مشغلي هذه المقاتلة الرائعة في مطلع السبعينات الميلادية، وكانت قواتنا الجوية أيضاً من كبار مشغليها، فقد كان عددها يفوق المائة طائرة. وسأنتهي من حيث بدأت المقال: تاريخ قواتنا الجوية يحتوي على الأمثلة الرائعة على الإبداع، والإيثار، والتميز من خلال تشغيل هذه الطائرة وغيرها بأيادٍ وطنية مخلصة، فشكراً لهم جميعاً بالأمس، واليوم، وغداً. وفقهم الله جميعاً، وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي