السيطرة التي ننعم بها على أجوائنا، وما يترتب عليها من ردع لأعدائنا بمشيئة الله لم تأت من فراغ، فهي نتاج جهود بدأت منذ أكثر من ستين سنة. وأحد المكونات الأساسية للشموخ الجوي هو الاختيار والتشغيل لأحدث الطائرات العسكرية من قيادة قواتنا الجوية. وفي هذا المقال، سألقي الضوء على إحدى الطائرات الرائعة التي خدمت ولا تزال تخدم في أسطولنا الجوي المتميز منذ أكثر من ثلث قرن. الطائرة اسمها «تورنيدو» ومعناها الإعصار. وقصتها جميلة وإليكم بعضا من معالمها: بعد نهاية الحرب العالمية الثانية هيمنت أمريكا، والاتحاد السوفييتي على صناعة الطائرات العسكرية الحديثة لدرجة أنها غطت على الجهود الأوروبية التاريخية في هذا المجال. وكانت أحد ردود فعل ذلك من الدول الأوروبية هي من خلال الاتحاد والشراكات، وتحديدا، ففي نهاية الستينات الميلادية، اشتركت بريطانيا، وألمانيا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا لإنتاج طائرة عسكرية متقدمة ومتعددة المهام لتكون مقاتلة، واعتراضية، وقاذفة، واستطلاعية، وانضمت لهم كندا أيضا فأصبح الاتحاد من أقوى الشراكات الصناعية الواعدة للإنتاج الحربي. ولكن بعد فترة وجيزة تلاشت الهمم وهيمنت فلسفة «وأنا مالي»... وانسحبت بلجيكا، وهولندا، وكندا. وبقيت كل من بريطانيا وألمانيا بحصة 42.5% والباقي عند إيطاليا. واختاروا اسم «تورنيدو» لعدة أسباب، ومنها أنه كان يحمل نفس المعنى في اللغات الثلاث، ومن الصعب أن تجد من يتقن ثلاثتها.

وأما مواصفات الطائرة فكانت سابقة لأوانها: كانت ولا تزال هي المقاتلة الوحيدة في التاريخ التي تحتوي على نظام الكبح الهوائي العكسي من محركيها النفاثين. وتسمح لها هذه الميزة في الهبوط في مسافة قصيرة جدا تعادل طول حوالي ستة ملاعب كرة قدم فقط. ومن الطرائف أن مؤخرة هذه الطائرة دائما مغبرة و«مكربنة» أي مغطاة بالكربون بسبب عملية عكس اتجاه الهواء الخارج بعنف من محركيها عند الهبوط. ومن المميزات الفريدة الأخرى لهذه الطائرة جناحاها، فيمكن تغيير زواياهما حسب الحاجة إلى المناورات، وتحديدا فيمكن تغيير زوايا الجناحين ليكونا على 25 أو 45 أو 58 أو 67 درجة نسبة إلى جسم الطائرة. والميزة هنا هي أن كلا من هذه الخيارات لها مزايا في الأداء، فالزوايا الأقل تسمح بقدرات أفضل على الطيران البطيء نسبيا في الإقلاع والهبوط. كما تسمح الزوايا الأقل في توفير مزايا رشاقة الالتفاف السريع، وأما الزوايا الحادة فهي الأفضل في السرعات العالية، وفي الطيران المنخفض السريع. وتم تصنيع عدة طرازات منها ذات الشاصيه الطويل للاشتباكات الجوية، والشاصيه الأقل طولا الهجومية، وكلاهما انضما إلى أسطولنا السعودي. وبالمناسبة فقدرات التورنيدو على الطيران المنخفض وبسرعات عالية تحت شبكات الرادار هي من الأفضل في العالم إلى اليوم. ومن المعلومات المهمة أن قواتنا الجوية كانت تستخدم النظام الآلي المتقدم لتغيير زوايا الأجنحة، بينما كانت القوات الملكية الجوية (البريطانية) تستخدم الجهاز اليدوي. والمقصود هنا هو أن طياري إنجلترا، وهي إحدى الدول المصنعة للطائرة كان عندهم ما يشبه «الجلنط» لاختيار إحدى الزوايا الأربع المذكورة أعلاه حسب الحاجة يدويا. وأما نسورنا فكانوا يستخدمون الآلية الأكثر تطورا لاختيار زوايا الأجنحة.

وللعلم، فالتورنيدو صممت لتطير بحوالى ضعف سرعة الصوت بمشيئة الله على الارتفاعات الشاهقة برشاقة وثبات سواء كان ذلك للاعتراض، أو الاشتباك الجوي، أو الاستطلاع. وأما على الارتفاعات المنخفضة فكانت حقا سيدة الساحة، خصوصا أنها زودت بمنظومة ملاحة متطورة تسمح لها بإرادة الله أن تسير بين الوديان والجبال في الظلام الدامس أو في ظروف الرؤية السيئة بسرعات عالية على ارتفاعات تعادل في بعض الأحيان ارتفاع أعمدة الإضاءة على الطرقات. فضلا حاول أن تتخيل التجربة، والرجال الأشداء الذين يقومون بذلك.

أمنيـــــة

بعد كل هذه السنوات من الخدمة لابد من وقفة إعجاب لهذه الطائرة، ولكن الوقفة الأكبر والأهم هي للقلوب والعقول والسواعد الوطنية المخلصة التي شغلتها بمهارة في الجو، وتلك التي «أخذت بخاطرها» على الأرض، فشكرا لهم واحدا واحد. أتمنى أن نتذكر هذا الدين الذي ندين به لقواتنا على نعمة الأمن بمشيئة الله،

وهو من وراء القصد.

* كاتب سعودي