«الجامعة» – في أي بلد – هي المركز الرئيس لنشر العلم والثقافة والمعرفة، وتهيئة الأجيال... لتتولى خدمة وإدارة بلدها، في شتى المجالات... بما يحقق خير البلد وتقدمه ورقيه... بل ويلبى فيه احتياجات الإنسان الأساسية والضرورية، لبقائه ونموه. لذا، فإن أهم مؤشر لمدى تقدم وازدهار أي بلد كان – وما زال – هو «مستوى» الجامعات فيها، ومدى قيامها بدورها كجامعات... ذلك الدور الذي يتمحور حول 3 وظائف جليلة كبرى، وهي: التدريس، البحث العلمي، خدمة المجتمع... وما يتفرع عن كل وظيفة من مهمات، وأعمال... و«مستوى» أي جامعة يقاس – بالتالي – بمدى قيام الجامعة بهذه الوظائف... وخاصة مقارنة بغيرها من الجامعات، في الدول المتقدمة، والمزدهرة...

ولا شك، أن كل بلد يفخر – أول ما يفخر – بما لديه من جامعات ومعاهد ومؤسسات علمية وبحثية مرموقة. والمملكة، وقد حقق التعليم فيها (بصفة عامة) قفزة نوعية، وفي زمن قياسي، فإنها كانت – وما زالت – تعتبر جامعاتها أحد أهم مصادر فخرها واعتزازها. وقد تطور التعليم الجامعي لدينا تطوراً ملموساً، يشهد به المراقبون المنصفون. فمن حيث الكم، قفز العدد، خلال أقل من 70 عاماً، من كلية واحدة إلى 28 جامعة حكومية، و13 جامعة غير حكومية، و 45 كلية، عدد برامج البكالوريوس فيها وصل الى 294 برنامجاً، وعدد برامج الماجستير في الجامعات الأهلية وصل الى 51 برنامجاً. ويدرس بالجامعات والكليات الأهلية نحو 62 ألف طالب وطالبة.

ومن حيث «الكيف» (Quality): فقد ارتقى مستوى هذه الجامعات، وبقدر ملحوظ... إذا أخذنا في الاعتبار «الحداثة» (النسبية) لهذه الجامعات. ولكن، ما زال ذلك «المستوى» دون الطموحات، ودون التوقعات. وذلك ما أظهرته بعض مؤسسات التقييم العلمي مؤخراً، وتقويم الجامعات، الدولية والإقليمية. فقد كشفت التقارير الأخيرة لبعض مؤسسات تقويم الجامعات تدني «مستوى» جامعاتنا، لدرجة ما كنا نتوقعها، وما كان أكثر المتشائمين فينا ينتظرها. حتى على مستوى إقليم «الشرق الأوسط»، لم تحقق أي من جامعاتنا (مع الأسف) مراكز متقدمة (معقولة) ومناسبة لما أنفق عليها من أموال طائلة، وما قدم لها من دعم مادي ومعنوي سخي، حكومي وخاص.

****

وبصرف النظر عن أخطاء مؤسسات التقويم من عدمها، لا بد أن نقر بأننا: في الوقت الذي نفخر فيه بجامعاتنا، وما وصلت إليه من تطور، فإن التقويم الموضوعي يقتضي منا الإقرار بأننا: ما زلنا نحتاج أن تكون جامعاتنا على مستوى أفضل مما هي عليه الآن. كما نريد لـ«العدد» أن يزيد... هذا يقتضيه الطموح الوطني، والرغبة الدائمة والمتصاعدة في أن تكون كل مؤسساتنا، وبخاصة مؤسساتنا التعليمية – على أعلى مستوى ممكن، كماً وكيفاً.

لهذه الملابسات، توجد ضغوط كبيرة، لرفع مستوى هذه الجامعات، وخاصة عبر إصدار نظام جيد جديد للجامعات الحكومية، ونظام أكثر ملاءمة للجامعات الخاصة... يسهم في تطوير هذه المؤسسات... لينعكس ذلك بالإيجاب على كل مناحي الحياة في هذه البلاد العزيزة. ما زال نظام الجامعات الحالي يحتاج لإعادة النظر، وتطوير ينشده العاملون في التعليم العالي وغيرهم. لا بد من إخراج نظام كامل متكامل جديد... ينظم (ويحكم) نشاط هذه المؤسسات البالغة الأهمية والحيوية... آخذاً في الاعتبار «مستوى» جامعاتنا الحالي، مقارنة بغيرها من الجامعات العالمية، وكون نسبة كبيرة من أساتذة الجامعات، الذين عايشوا نشأة ونمو وتوسع هذه الجامعات، وخبروها عن كثب، ينادون بمزيد من التطوير الإيجابي.

***

وهناك الكثير من الأبعاد والنقاط (الجامعية) التي تحتاج إلى مناقشة، وتطوير، والتي تتطلب تغطيتها ومناقشتها أبحاثاً، وكتباً. فما عسى مقال صحفي عابر أن يغطي؟! إن هذا المقال يذكِّر ببعض النقاط، لا أكثر. ولا شك أن هناك أموراً أكثر إلحاحاً، لا تخفى على مراقبي أداء جامعاتنا، والمعايشين لها. وفي رأيي، أن أولى الملاحظات هي أن تكون هناك وزارتان: وزارة للتربية والتعليم، وأخرى للتعليم العالي والبحث العلمي. ويبدو لي أن من المستوجب الآن وبإلحاح إعادة النظر في 6 أمور ملحة، لعل أهمها:

أولاً – إصدار نظام جديد متطور للجامعات الحكومية، ومثله للجامعات الأهلية: نعم. هناك نظام للجامعات صدر قبل حوالى 3 سنوات، وهناك لائحة للتعليم الجامعي الأهلي. ولكن كلا النظامين يحتاج إلى إعادة النظر فيه بشكل دوري، وإجراء ما تتطلبه المرحلة من تعديلات فيه. صحيح، أن «النظام» وحده – مهما كان كاملاً ومتكاملاً – لن يقيل كل العثرات المعروفة... فالجامعة – أي جامعة – هي عبارة عن: مؤسسة ضخمة ذات 3 أبعاد كبرى هي: الأساتذة، المنشآت، الإدارة. أما «الطلاب»، فإنهم «إنتاج» هذه المؤسسة (أو مخرجاتها)... وبإمكان النظام أن يجعل الطلاب أكثر تهيؤاً واستعداداً للدراسة والتحصيل والتفوق، أو يفعل العكس. فـ«النظام» هو «أساس» أي تطور إيجابي في أي جامعة، بأبعادها المحورية الثلاثة.

«النظام» يمكن أن يشترط (ويضمن) «إدارة» جيدة فعلاً، وفعالة، وكفؤة... و«أساتذة» أكفاء، ومنتجين، يتفانون في أداء واجباتهم. بل إن «النظام» يمكن أن يسهل حتى توفير «المنشآت» الجامعية اللازمة، والمشجعة على النبوغ والتفوق. الأمر الذي ينعكس إيجاباً على المخرجات.

وهناك «ترابط» أشد بين «النظام» و«الإدارة». ففي النهاية، «الإدارة» (إدارة الجامعات هنا) هي التي تطبق «نظام الجامعات»... وفاقد الشيء لا يعطيه...

«النظام» هو «أُس» و«أساس» العمل... وإطار النشاط... إن صلح الإطار صلح النشاط، والعكس صحيح. من هنا، يجب أن يكون الإطار صالحاً... كخطوة أولى وأساسية... كي يصلح نشاط الجامعات وأداؤها، وتصلح مخرجاتها. نظام الجامعات الحالي ساهم – ويسهم – في: وجود «إدارات» غير صالحة وغير منتجة، في معظمها. وهذا انعكس بالسلب على أبعاد الجامعة ككل، وعلى مخرجاتها... وشدها شداً نحو ذيل القائمة...

وبالطبع، هناك أمور هامة أخرى (غير أسلوب تسلم القيادات الإدارية لمراكزها)... يأتي في مقدمتها: الحرية الأكاديمية، الاستقلالية المالية، وضع وتنفيذ المناهج الدراسية، وما إلى ذلك. ولكن، تظل «الإدارة» وما يرتبط بها، هي الفيصل في مدى توفر هذه الأمور، ومدى جودة التعليم الجامعي بعامة.

وستكون لنا وقفة مع «إدارة» الجامعات... ومضمون وأسلوب تولي القيادات الجامعية الحالي لمواقعها... إذ تكمن في ذلك «الأسلوب» أصول معظم البلاء... الذي كان (وما زال) له نصيب الأسد في تدهور«الكيف»...!

***

ثانياً – الإحلال: لكي تستمر الجامعة – أي جامعة – لا بد من ضمان توفر أعضاء هيئة تدريس لها، وبشكل مستدام ومستمر. لابد من ضمان أن نسبة «تسرب» أعضاء هيئة التدريس (بسبب الانتقال، أو التقاعد، أو العجز، أو الوفاة...الخ) من الجامعة، تقابلها نسبة «إحلال»، مساوية لنسبة التسرب، على الأقل. بل إن نسبة الإحلال يجب أن تزيد قليلاً عن نسبة التسرب، لمقابلة عمليات التطوير والتوسع التي عادة ما يفرضها المستقبل.

يكمن معظم مستقبل الجامعات، وفي كل مكان، في «المعيدين» بها. إذ يجب أن يعتمد أغلب الإحلال على معيدي الجامعة، الذين تختارهم الجامعة، ليكملوا دراساتهم العليا، ويعودوا ليعملوا كأعضاء هيئة تدريس بجامعاتهم. فذلك هو السبيل الرئيس لضمان الاستمرارية الأكاديمية. إن لم تتم عملية الإحلال بشكل دقيق ومدروس، فستجد الجامعة – أي جامعة – نفسها في المستقبل مضطرة إما للتعاقد مع أعضاء هيئة تدريس أقل جودة، أو تقليص برامجها، أو ما إلى ذلك.

ويلاحظ أن معظم جامعاتنا لا تولي هذه المسألة ما تستحقه من اهتمام وتدبر. فلا تعين معيدين إلا على أضيق نطاق، وتفرط في الكثير من النابغين والخريجين منها ومن غيرها، وتحرمهم، وتحرم نفسها، من تفوقهم وإمكاناتهم شبه النادرة. فيقل عدد معيديها، ويقل مستقبلاً عدد أعضاء هيئة التدريس عندها، فتضطر إما للتعاقد، أو التراجع.

***

وفي المقال القادم، نستكمل هذا الحديث، بالتطرق إلى 4 نقاط بالغة الأهمية – في رأينا، هي: أسلوب تعيين المسؤولين الأكاديميين، ما يمكن أن نسميه بـ«التعاقد السلبي المفتوح»، ومسألة البحث العلمي، وموضوع الارتباط بسوق العمل.

* كاتب سعودي