يبدو أن جريمة سفر برلك التي قادها العثمانيون على أيدي السفاح فخري باشا ضد أبناء المدينة المنورة أوائل القرن الماضي تكررت قبل نهايته بأوامر وتوجيه هذه المرة من حمد بن خليفة أمير قطر السابق، ولكن تجاه قبيلة الغفران أحد أهم المكونات السكانية في قطر، جريمة إنسانية لم تستثن أحدا حولت النساء والأطفال والشيوخ إلى مشردين في الصحراء بلا مأوى ولا طعام ولا شراب بعدما نزعوا من بيوتهم ومزارعهم ومدارسهم، بل حتى المرضى الذين كانوا في المستشفيات داهمتهم القوى الأمنية القطرية ورمت بهم خلف الحدود.

كيف بدأت الحكاية.. في اليوم السابع والعشرين من شهر يونيو 1995 ميلادية وبعد ساعة واحدة من مغادرة طائرة الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني أجواء قطر متوجها إلى سويسرا لقضاء إجازة اعتيادية، قطع التلفزيون القطري البث ناشرا كلمة متلفزة لحمد بن خليفة ابن الأمير يعلن فيها أنه وللظروف الراهنة التي تمر بها البلاد -حسب قوله- فقد قرر الانقلاب على والده.

لم يكن الشيخ خليفة -جد الأمير الحالي تميم بن حمد- يظن لوهلة واحدة أن ابنه وولي عهده والحاكم القادم لا محالة ورئيس حرسه وقائد جيشه الصغير سينقلب عليه، فخليفة الذي كبر في السن كان قد أوكل معظم أمور دولته لابنه حمد ورفيقه حمد بن جاسم، فما الذي أحوج حمد بن خليفة للانقلاب على والده ولم ينتظر أن تأول إليه أمور الحكم بشكل طبيعي وشرعي عند وفاة والده، ولماذا كان ذلك الاستعجال، أسئلة كثيرة تجيب عنها السنوات التالية والصراعات الطويلة والخيانات والمؤامرات التي انخرط فيها حمد مع جيرانه وعالمه العربي.

ما إن وصل الخبر الصاعق إلى أسماع الشيخ خليفة حتى عاد أدراجه إلى منطقة الخليج ساعيا لإقناع ابنه بالعدول عن انقلابه، وبالطبع لم يكن أمام خليفة إلا حكام الخليج الذين يرتبطون معه بعلاقة الدم والجوار والعمومة، وعلى الرغم من حرصهم على عدم التدخل في قضايا داخلية إلا أنهم حاولوا التوسط دون نجاح بين الأمير الشرعي والابن الخائن.

إلا أن أكثر شيء أغضب حمد ودفعه لإضمار الحقد على السعودية والإمارات العربية المتحدة أنهم ضمنوا للشيخ خليفة حياة كريمة بعدما أصبح مطاردا مهددا من الانتربول إثر إدراج الأمير الابن اسم والده مع المجرمين المطلوب تسليمهم للدوحة.

عاش الشيخ خليفة بين مدينتي جدة وأبوظبي دون أن يكون للدولتين أي دوافع سياسية غير الحفاظ على «شيبة» عزيز قوم من أن تهان أو تذل.

في تلك الأثناء حاول الشيخ خليفة الاستعانة ببعض وجهاء القبائل في قطر للتوسط مع ابنه بعدما فشلت الوساطات الخليجية، وكان من أهم الوسطاء قبيلة آل مرة وعلى وجه الخصوص الفخذ الأكثر تأثيرا وعددا داخل قطر «قبيلة الغفران» الذين يشكلون أكثر من 6000 فرد من دولة بالأساس لا يزيد عدد سكانها على 90 ألفا، وما كان مصير الوساطات القبلية بأحسن حظا من الخليجية أمام تعنت حمد بن خليفة، الأمر الذي اضطر الأمير الشرعي خليفة بن حمد للقيام بمحاولة استعادة الحكم مستعينا ببعض ضباط وأفراد القوات المسلحة والشرطة المؤلفة من جميع شرائح المجتمع، الذين كانوا قد أدوا القسم والولاء للشيخ خليفة باعتباره الحاكم الشرعي للدولة.

ومن هنا بدأت مأساة الغفران، فقد اتهم «حمد بن خليفة» بعض أفراد القبيلة بالموالاة لوالده، ولم يكتف بذلك بل سلط غضبه على القبيلة كاملة بسياسة العقاب الجماعي لستة آلاف شخص من «الغفران»، وقامت السلطات القطرية بتوجيهات مباشرة وإشراف من حمد بن خليفة باتخاذ خطوات لنزع الجنسية عنهم وعن أولادهم بل وعن آبائهم وأجدادهم بأثر رجعي، وجاء ذلك ضمن إجراءات عقابية قاسية وغير إنسانية تعرض لها ذلك الفرع من قبيلة آل مرة، لم يكتف حمد بن خليفة بذلك بل قام بطرد كل أبناء قبيلة الغفران وتهجيرهم ورميهم وراء الحدود السعودية ومصادرة أموالهم وبيوتهم، لقد قام حمد بن خليفة بأكثر عمليات «الترانس فير» الحديثة والتهجير قسوة في العصر الحديث لينضم بذلك إلى الإسرائيليين والأتراك.

* كاتب سعودي