ربما لم يمر العالم في تاريخه السياسي الحديث بمثل ما يمر به الآن من فوضى وبلطجة واستباحة للأعراف والمواثيق الدولية التي تحكم علاقات الدول، ولم تمر مرحلة كالمرحلة التي نعيشها حالياً بكل ما فيها من جهالة سياسية لبعض الأنظمة والدول تصل حد التجاوز الصارخ على الآخرين. التهديد ليس لغة السياسة والدبلوماسية الحقيقية وإنما أسلوب الميليشيات والعصابات، وحتى الأنظمة المارقة التي تتورط في مؤامرات وممارسات ضد الآخرين وتهدد السلم الدولي، حتى هذه يُفترض أن يتم التعامل معها وضبطها وفق القانون الدولي عندما تثبت إدانتها وليس بفرد العضلات والتهديد، فكيف إذا كان التهديد موجها الى دولة كبرى يشهد لها العالم بتعاطيها السياسي الناضج مع كل القضايا ودعمها التاريخي لاستقرار الأمن والسلم في كل مكان، ووقوفها ضد كل الممارسات الخاطئة بحق الدول والشعوب.

إنها سابقة خطيرة عندما يتم توجيه تهديدات للمملكة على خلفية قضية لأحد مواطنيها يكتنفها الغموض وتتشابك فيها خيوط معقدة وتتجه الأصابع إلى أكثر من جهة ربما تكون متورطة فيها بالإضافة إلى الأطراف الرئيسية الواضحة التي تكاد تدين نفسها بشكل صارخ من خلال تعاطيها مع القضية. هذا الانفلات وهذه الفجاجة التي مارستها دول كبرى بقيادة أمريكا ضد المملكة تلزمنا بإعادة حساباتنا ومحدداتنا بشأن كثير من الثوابت في العلاقات السياسية، وتجبرنا على نمط جديد من التعامل مع القضايا الراهنة وما سوف يستجد من قضايا سواء كانت حقيقية أو مفتعلة.

لقد اتضح الآن أن المملكة تمر بمرحلة فارقة في تاريخها بعد هذه العاصفة المفتعلة التي أكدت ما يحاك لها. نعم نحن متأكدون بقوة وصلابة الجبهة السعودية قيادة وشعباً وأنها قادرة على تجاوز العاصفة بسلام وثبات، لكن تاريخ ٢ أكتوبر ٢٠١٨ الذي انطلقت فيه شرارة قضية اختفاء الإعلامي السعودي جمال خاشقجي، والسيناريو الذي أعقبها ووصل إلى حد التهديد يتطلب سياسة جديدة لما بعد هذا التاريخ.

* كاتب سعودي

habutalib@hotmail.com