كنت في مكان ما في مهمة ما، كانت النساء اللاتي تجاوزت أعمارهن الثامنة والأربعين يتهافتن على المايك لتصل اقتراحاتهن المتواضعة إلى رئيسهن، وبما أن الرئيس الدبلوماسي يُجيد طرح كلمات الثناء ويعرف جيدًا من أين تؤكل كتف الضعفاء، كان يرد عليهن بكلمات محملة بالثناء والتصفيق، كنت أراقب بريق أعينهن الباهتة كيف تشع بعض الحياة فيها بعد كلمات الثناء.. كيف تعود تنفث عنها إرهاق الزمن.. كيف يرتد إليها البصر من جديد!

كم أرعبني هذا المشهد السريع الذي مرّ أمامي خلال ربع ساعة.. بؤس.. ذبول.. ثم كلمة يعود معها بعض من الحياة، كيف يكون لكلمة ثناء كل هذا الدور في إعادة هيكلة إنسان قد تجاوز سن الرشد، ما الحاجة التي تستدعيه إلى أن يتعلق في كلمة حتى يشعر بوجوده ويعود؟! كيف طغت العاطفة على العقل حتى صار مصير الوجود معلقاً عليها؟!

حين يكون الإنسان معلقا حياته.. كل حياته على ترقب كلمة مدح من الآخرين يأتي ذلك منتجًا أساسيًا من منتجات طغيان العاطفة على العقل، وحينها كذلك حتمًا سيكون المشهد معركة وجودية أحادية الوجهة؛ إن وجدت جهتها بقيت وإن تاهت فنت. إن الإنسان الذي يوحد مصدر وجوده في الحقيقة هو إنسان من أسهل السهل أن يقضى عليه ومن أسهل السهل أن يتقاسمه المتخاصمون معه.

سجل الموقف الديني مواقف واضحة وصارمة مع من يعلقون حياتهم على كلمات المدح ويجعلونها نبراس حياتهم، فهو في ذلك يبني النفس الإنسانية على التقبّل ويصنع منها الرقيب والناقد الحاذق ويفتح لها أبواب الواقعية والتعددية، جاء من ذلك ما حدث مع عثمان بن عفان، فعن همّام بن الحارث عن المقداد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أن رجلاً جعل يمدح عثمان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فعمِد المقداد فجثا على ركبتيه فجعل يحثو في وجهه الحصباء، فقال له عثمان: ما شأنك؟ فقال: إن رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب»» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

المدّاحون غالبًا أراهم من أمكر الناس في الوصول إلى أهدافهم فهم يعلمون مدى حاجة النفس الإنسانية إلى المدح فيغرقون ممدوحهم بالمدح حتى يغرق في سفينته ويبقون هم على الشواطئ، كما أراهم من أخطر عناصر التدمير حالما يضعون الممدوح في إطار الرضا عن النفس والعمل ويفقد وقتها روح وعين النقد الذاتي والعملي فيقف عند محطة واحدة لا يتطور ولا يتقدم لأنه فقد عناصر التفقد والتحليل النقدي وبقي عند كلمات المدح مبتسمًا متشبعًا. هم أنفسهم أيضًا من أخطر الناس على التقدم المجتمعي والبناء والتغافل عنهم يبني مجتمعًا مترهلًا مهلهلًا على خطوات الغراب يسير.

المدّاحون يسلبون الثقة من الممدوحين، يجعلونهم في حالة ترقب وبحث دائم لكلمة مدح تعود معها ثقتهم بأنفسهم وبما يعملون، لا يستطعون أن يتقدموا خطوة إلى الأمام دون كلمة تبني لهم جسراً من الثقة وتدفعهم نحو الخطوة التي تتبعها، لابد أن ندرك بأن ثقتنا بأنفسنا هى أحد ممتلكاتنا الخاصة والتى لا يحق لأحد أن يتحكم في مسارها وتشكيلها دون إرادة منّا.. أن يستخدمها في هدمنا والتحكم في جهاتنا كما شاءت بوصلته.

* كاتبة سعودية