كم أتمنى أن يكون العالم بهذا الجمال بحيث يشكل اختفاء إنسان قلقاً كبيراً للمجتمع الدولي بحكوماته ومؤسساته المدنية وفعالياته الإنسانية وإعلامه وناشطيه الحقوقيين وكتابه وكل المهتمين بحياة الإنسان أينما كان. لو كان الأمر كذلك لما تجرأت دولة أو عصابة أو تنظيم على انتهاك كرامة الإنسان والتعدي عليه واختطاف حياته أو إنهائها بسبب حسابات سياسية تصل إلى حد الولوغ في الجريمة والسقوط في وحلها.

اختفى آلاف الصحفيين والإعلاميين في سجون تركيا خلال عامين، وتمت تصفية المئات حول العالم خلال هذا العام الذي لم تحن نهايته بعد، لم يحرك ذلك ساكناً في ضمير المجتمع الدولي، ولكن عندما اختفى الإعلامي (السعودي) جمال خاشقجي استيقظ هذا الضمير الميت، ليس لوجه الإنسانية، وإنما لأنه سعودي، ولأنه ينتمي إلى المملكة العربية السعودية. الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، أعضاء في الكونجرس الأمريكي، وزراء أمريكيون، سناتورات، حاكم ولاية فرجينيا، وزير خارجية بريطانيا ودول أخرى، كتاب عالميون مثل توماس فريدمان وروبرت فسك، ومقدمو برامج مشهورون مثل فريد زكريا وأندرسون كوبر وكريستيان آمانبور، قنوات شهيرة مثل الـbbc وفرانس 24 والروسية والألمانية وغيرها، كلها تسائل جهة واحدة هي المملكة العربية السعودية عن حيثيات اختفاء الأستاذ جمال خاشقجي، وكأنها هي التي أخفته.

حسناً، لماذا هذه الهبّة الكبرى بخصوص إعلامي سعودي اختفى في دولة أخرى وقامت دولته بكل الإجراءات كي تثبت للعالم أنها حريصة عليه كمواطن، وأن كل ما تم تداوله من أخبار عارية عن الصحة. لقد بدأ يتساقط ورق التوت عن هذا الزيف وهذا الاستهداف الواضح للمملكة. ومؤسف جداً أن يفقد بعض الإعلام الدولي حياديته ومبادئه وأخلاقياته وينحاز إلى اللوبيات التي تشترى بالمال ويخدمها عبيد المال.

هذه الحادثة أكدت بشكل خطير ما كنا ننبه إليه دائماً بأن وطننا يواجه جبهة إعلامية كبرى تديرها دول وتدعمها دول وتتواطأ معها دول. إننا نمر بأخطر مواجهة وعلينا أن نكون مستعدين لها. إنها حرب فُرضت علينا ولا بد أن نواجهها بالأدوات التي تضمن لنا النصر، أو عدم الهزيمة في أسوأ الأحوال.