فارس القحطاني (الرياض)
أثارت مناقشة مجلس الشورى أخيرا مقترح منح الجنسية لأبناء السعودية المتزوجة بأجنبي، جدلا واسعا بين مؤيد ومعارض، وكان ممن تداخلوا في هذا الشأن عضو مجلس الشورى القانوني المعروف الدكتور فهد العنزي، الذي عارض المقترح، مؤكدا أن الجنسية كما هو معمول بها في العالم تقوم على أساس رابطة الدم والبنوة من جهة الأب. «عكاظ» حاورت الدكتور العنزي حول هذا الملف المهم، ووجهة نظره حياله، فإلى إجاباته:

مبادئ قانونية

* ما هي وجهة نظرك بالتحديد بخصوص مقترح تجنيس أبناء السعوديات الأجانب؟

** دعني في البداية أقول لك إنه فيما عدا الأنظمة التي صدرت بأوامر ملكية أو ما نسميها بالمنح مثل النظام الأساسي للحكم ونظامي مجلس الوزراء والشورى ونظام المناطق وغيرها، فإن كل نظام خاضع للتعديلات ويستطيع العضو أن يقدم بشأنه مقترحاً للتعديل. وما قام به الزملاء في المجلس لا يخرج عن هذا الاعتبار، ومن حقهم ذلك دون أدنى شك.

وفي ما يخصني فقد كنت من المعارضين للتعديل لاعتبارات ذكرتها في حينه، وهذا نابع من أن كل عضو من الأعضاء مكفول له حرية الرأي والتعبير عن رأيه في المجلس، ومداخلتي عندما عُرض الموضوع كانت ضمن هذا الإطار.

وربما بحكم كوني قانونيا فقد دافعت عن المبادئ القانونية التي تقوم عليها أحكام الجنسية وفقاً للآراء القانونية السائدة من أن الجنسية تقوم على أساس رابطة الدم والبنوة من جهة الأب، وهذا هو المعمول به في أغلب قوانين العالم، والاستثناء هو الأخذ برابطة البنوة من جهة الأم في حالة ما إذا كان هناك إشكال في ما يخص هذه البنوة من جهة الأب.

وذلك كون الأب مجهول الجنسية أو لا جنسية له، وهذا الاستثناء أُخذ به حفاظاً على حق المولود بأن تكون له جنسية في حال انعدام جنسية الأب أو عدم معرفتها، وكل هذه المسائل تؤكد أن الأصل هي جنسية الأب، وهي تأكيد كذلك على مبدأ النسب وفقاً للآية الكريمة: (ادعوهم لآبائهم)؛ إذ إن النسب هو الذي يقوم على رابطة الدم مصداقاً للآية الكريمة، وكون رابطة الدم تأخذ بها كل قوانين العالم كأصل والأصل هو حق الأب في منح جنسيته لأبنائه.

هذه المبادئ يضمنها نظام الجنسية في المملكة وحرص عليها، وبما أنني قانوني فإن هذه المبادئ التي يقوم عليها نظام الجنسية السعودي كافية ومحققة لمعيار العدالة، ولاسيما أن الغاية من التعديل التي ينشدها الزملاء هي تجنيس أبناء المواطنة من أب معروفة جنسيته وارتبطت به المواطنة وهي تعرف جنسيته وتعرف أن أبناءه وبحسب قوانين بلده سيحصلون على جنسية والدهم ولن يكونوا عرضة لأن يكونوا مجهولي الجنسية أو عديمي الجنسية بل إن من حقوق والدهم وحقوقهم على والدهم هو منحهم جنسيته.

هذا طرح خطير

* ولكن يقولون إن الجنسية مستحدثة وغير معروفة بالإسلام؟

** اسمح لي أن أقول إن هذا طرح خطير ولا

يمكن قبوله في ظل الدولة الحديثة التي لها كيان وحدود وسمات تنظيمية. ومن المعروف أنه وفقاً للقانون الدولي فإن الدولة تتكون من عناصر ثلاثة وهي الإقليم والشعب والسلطة، وفي ما يخص الشعب فإن الدولة هي التي تحدد معايير ومكونات شعبها أو صفة مواطنيها استناداً إلى نظام الجنسية. وهذه كلها أمور سيادية تقررها الدولة باعتبارها سلطة عامة وقيّمة على مصالح شعبها، والقانون الدولي يعترف لها بذلك. ولا يجب أن تُترك معايير تحديدها للأفراد بشكل كامل.

فالجنسية هي التي تحدد علاقة الشعب بالدولة ومن خلالها يكتسبون صفة المُواطَنة وتترتب لهم حقوق وعليهم كذلك التزامات، كما أن هذه المُواطَنة تقوم أساساً على رابطة الدم ووحدة الأسرة. وحتى في الإسلام فقد كان سلمان الفارسي يُلقب بسلمان المحمدي أي نسبة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وإن كان المؤرخون يختلفون في سبب هذه التسمية، إلا أن الشاهد في الموضوع أنه حينما نزلت الآية الكريمة (ادعوهم لآبائهم).

فكرة مستغربة

* وما موقف نظام الجنسية السعودية من ذلك؟

** نظام الجنسية السعودية حرص على هذه

المعايير بشكل يمنع تعدد الجنسية، كما يمنع انعدامها. ولذلك تبدو فكرة الادعاء والقول إن الحق في الحصول على الجنسية هو حق يبنى على مجرد فكرة كونها غير معروفة في الإسلام، وأن ربطها بالنسب المعروف في الإسلام غير ذي معنى هي فكرة مستغربة وغير مستندة إلى منطق تنظيمي؛ لأن هناك كثيراً من الأمور المستحدثة التي لم تكن معروفة في الإسلام كأنظمة المرور مثلاً. كما أننا نقول كذلك إن الآثار التي تترتب على النسب كثيرة ومنها بناء ترتيب مراكز قانونية وحقوق معينة على هذا النسب كحق الحصول على الجنسية بحيث تُبنى الجنسية على النسب أي على رابطة الدم باعتبارها من متحصلات النسب، وأن الدولة الحديثة اعتمدت هذا المعيار لتحديد سمات الشعب الذي ينتمي إليها وتحديد علاقته بها وحقوقه التي تترتب على هذه العلاقة التنظيمية.

لا مجال للعاطفة !

* من الملاحظ أن القانونيين في المجلس يتأثرون في مداخلاتهم بالنصوص القانونية أكثر من أي أمر آخر؟

** نعم رجال القانون هم رجال دولة في النهاية ويتأثرون بالقانون وبنصوصه، ولذلك فأحكامهم ليست عاطفية أو بتأثير من توجه معين. فغالباً ما تكون لديهم شمولية في النظرة وتأصيل في الحكم دون النظر للموضوع من زوايا ضيقة. كما أن التكييف القانوني هو أساس الحكم على أية مسألة؛ فمثلاً الإخوة الزملاء أثاروا القضية من زاوية واحدة وهي زاوية أبناء المواطنات وحقوق المواطنات في المساواة مع المواطنين. وما يهمني هنا هو التكييف القانوني الصحيح للمسألة. فكما نقول أبناء المواطنات السعوديات يجب أن ننظر إلى الموضوع من زاوية أخرى وهي أبناء الأجانب من مواطنات سعوديات، فالموضوع يتعلق بتجنيس أبناء غير سعوديين حصلوا تلقائياً على جنسية أبيهم، وهم في نظر النظام أجانب من أم سعودية.

.. ولا للإثارة

* ما الذي دفعك للتعليق على هذا الموضوع على تويتر؟

** تعليقي على الموضوع كان على ما نشر في بعض وسائل الإعلام بصورة غير صحيحة وغير دقيقة بعد مناقشة الموضوع تحت القبة، وهذا أقل حق لعضو المجلس بأن يُصحح ما ينشر عنه، فمن حق أعضاء المجلس أن يقوموا بتصحيح النقل الإعلامي حول آرائهم طالما أنه تم نشرها في وسيلة إعلامية وأصبحت حديث العامة. لذلك نتطلع إلى حرص وسائل الإعلام على تحري الدقة في العمل ونقل المعلومة الصحيحة، وليس التعامل مع ما يدور تحت قبة الشورى من زاوية الإثارة غير المنضبطة، ومنها تهميش رأي أحد الأعضاء ودعم رأي آخر أو حتى تأليب الرأي العام على مثل هذه الموضوعات المهمة والحيوية.