أمي الغالية:

أرجو أن تعذريني في كتابة هذه الرسالة المتأخرة إليك، رغم كونها الرسالة الأهم التي كتبتها في حياتي.

سيدتي الفاضلة:

لم أعد أشعر من بعدك بيتم الأمومة الذي أضيف إلى يتم الأبوة فحسب، بل شعرت -ولأول مرة- بيتم الكلمات وشح العبارات التي تتناسب مع هيبة غيابك ولوعة فراقك!!

أعترف يا أمي بأن الكل قد تجرع كأس الفراق في قريب، وتذوق طعم الفقد في حبيب، إلا أنك يا أمي كنت غير أولئك جميعاً!!

شماء عبدالله الهريش: أيتها السيدة النبيلة المغسولة بالنقاء والتسامح والمترفة بالحب والطهارة، يا من عشت مرابع طفولتك على قمم جبال قنا وصهوات جبال واسط، واستكملت رحلة حياتك الميمونة على سفوح جبال رمان وبين رياض شيبة حيث مرابع صباك لا تزال شاهدة على أيقونة بشرية لن تتكرر، عبر رحلة طويلة من الكفاح والتضحيات من السليمي إلى الغزالة ومن الغزالة إلى حائل، تجسدها حكايات وذكريات أشبه ما تكون بالأحلام والأساطير عشت فصولها معك في هذه الرحلة القصيرة، يا أعز من رافقت وأنبل من عرفت!!

سيدتي الجليلة: يا من قرن الله عز وجل توحيده بالإحسان إليها من فوق سبع طباق، وأوصى ببرها من سابع سماء، ووضع أعز ما يتمناه بشر تحت أقدامها، يا من بكيتها حزين القلب مكسور الخاطر، أتوسل إلى روحك الطاهرة معتذراً عما بدا مني من تقصير وطالباً صفحك عن ما بدر مني من عقوق.

أيتها الشمعة التي أضاءت أحلامنا، والأيقونة التي سكنت قلوبنا، لن ننسى قط كفاحك كي نتعلم، وجوعك كي نشبع، وسهرك كي ننام، فكيف لنا بالله عليك أن نعيش من غيرك؟

أمي العزيزة

سوف تبقى هذه السنة هي سنة الأحزان والعام المظلم في حياتي لأنها نحتت في ذاكرتي ذكرى فراق سرمدي لا يدرك مرارته إلا من شرب من نفس الكأس وتجرع مرارة الفراق.

أيتها السيدة الجليلة

لقد عادت بي الذاكرة إلى أيامك الخوالي، حيث مهد طفولتي وميدان كفاحك «المطوي» تحت ظلال نخيل جدي الباسقات وفي فضاءات تلك الليالي المقمرة حيث طلتك البهية ونور جبينك لا يزالان محفورين في الفؤاد، كنت حينها نور المكان وسحره الذي لا يزال يشع في جنبات المكان وإلى الأبد. وختاما أيتها الإنسانة الغالية فإني لو جمعت كل عبارات الرثاء ومفردات الحب فلن تكفي، ولو طبعت على جبينك الوضاء كل قبلات الأرض فلن تفيك حقك، فاعذريني سيدتي في مماتك، مثلما عذرتِني في حياتك.